24/2/2022

نص السؤال:

كيف يصلي مَنْ لا يستطيع الوضوء والتيمّم؟

  

الاسم: تبارك

 

 

الجواب باختصار:-

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

الوضوء شرط لصحة الصلاة، فإذا عجز الإنسان عن الوضوء لمرض أو عاهة تمنعه من ذلك، فيرخّص له التيمّم، فإنْ عجز عن التيمّم يصلّي بلا طهارة.

قال عزّ من قائل:-

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا —} [سورة البقرة: 286].

التفصيل:-

قال الحقّ جلّ جلاله:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 6].

أمر الله سبحانه المسلمين إذا أرادوا الصلاة أنْ يتوضؤوا بالماء الطاهر ورضيه لهم، فإنْ عجزوا عن إيجاده، أو عدم القدرة على استعماله، رخَّص لهم التيمّم وجعله بدلًا عنه وطهورًا للمسلم.

فإنْ عجز عن الوضوء، أو التيمّم جاز له الصلاة من غير وضوء ولا تيمّم فإنّه معذور، ولا حرج عليه.

يقول الله عزّ شأنه:-

{—- مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 6].

ويرخّص له أيضًا أنْ يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء على حسب حالته المرضية.

قال الله جلّ في علاه:-

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ —} [سورة التغابن: 16].

ولقول حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

والدليل على جواز الصلاة لمَنْ تعذَر عليه الوضوء أو التيمّم ما روته السيّدة عائشة

رضي الله تعالى عنها:-

(أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وفي رواية أخرى قال:-

(فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

قال الشيخ ابن القيّم رحمه الله تعالى:-

(وَحَالَة عَدَمِ التُّرَاب كَحَالَةِ عَدَم مَشْرُوعِيَّته وَلَا فَرْق فَإِنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ تَيَمُّم لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّة التَّيَمُّم حِينَئِذٍ فَهَكَذَا مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ تَيَمُّم لِعَدَمِ مَا يَتَيَمَّم بِهِ فَأَيّ فَرْق بَيْن عَدَمه فِي نَفْسه وَعَدَم مَشْرُوعِيَّته فَمُقْتَضَى الْقِيَاس وَالسُّنَّة أَنَّ الْعَادِم يُصَلِّي عَلَى حَسَب حَاله فَإِنَّ اللَّه لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا وَيُعِيد لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْإِعَادَة كَمَنْ تَرَكَ الْقِيَام وَالِاسْتِقْبَال وَالسُّتْرَة وَالْقِرَاءَة لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا مُوجَب النَّصّ وَالْقِيَاس) عون المعبود وحاشية ابن القيم (1/61).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه البرّ الرحيم سبحانه:-

(لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، كَسَائِرِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ عَلَى حَسَبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ السُّتْرَةِ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا، وَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِهَا، وَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا صَلَّى جَالِسًا) المغني (1/184).

وقال الإمام الشوكاني رحمه المغني عزّ وجلّ:-

(قَوْلُهُ: (فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ) اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عِنْد عَدَمِ الْمُطَهِّرَيْنِ: الْمَاءِ، وَالتُّرَابِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا التُّرَابَ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا الْمَاءَ فَقَطْ، وَلَكِنَّ عَدَمَ الْمَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَعَدَمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَهِّرَ سِوَاهُ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا مُعْتَقِدِينَ وُجُوبَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعَةً لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ) نيل الأوطار (1/333).

وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله على الحديث بقوله:-

(بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَابًا).

ويلحق به في الحكم مَنْ وجد الماء والتراب مع عدم القدرة على استعمالهما.

قال الإمام محبّ الدين السِّبتي المعروف بابن رُشَيْد رحمه الحميد جلّ وعلا:-

(كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ نَزَّلَ فَقْدَ شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ مَنْزِلَةَ فَقْدِ التُّرَابِ بَعْدَ شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ حُكْمُهُمْ فِي عَدَمِ الْمُطَهِّرِ الَّذِي هُوَ الْمَاءُ خَاصَّةً كَحُكْمِنَا فِي عَدَمِ الْمُطَهِّرَيْنِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا التُّرَابَ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا الْمَاءَ فَقَطْ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ لِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ صَلَّوْا مُعْتَقِدِينَ وُجُوبَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعَةً لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ) فتح الباري (1/440).

يتبيّن من أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم جواز الصلاة بدون وضوء ولا تيمّم لمَنْ يعجز عن الطهارة بأحدهما أو كانت حالته لا تسمح له بذلك فإنّه يصلّي مع فقد شرط الطهارة، وحسب ما تسمح به حالته قائمَا، أو جالسًا، أو مضطجعًا، أو يومئ إيماءً.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد النبيّ الطاهر الزكيّ وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرا.