20/2/2011
السؤال:
السلام علكيم ورحمة الله وبركاته،


بارك الله لكم وفيكم يا حضرة الدكتور على هذا العمل المبارك والموقع الجليل.
س: أاتحير كثيراً وأنا في خدمة المسلمين بصورة عامة والأحباب بصورة خاصة بين الوارد النفسي الموسوس وبين الوارد الروحي، ولا أصل في كثير من الأحيان إلى التفريق والاختيار الصحيح بينهما. فما هي الوسائل جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير التي بها يستطيع المسلم التمييز بين الوارد الروحي والوسوسة؟

الاسم: عبد الرزاق علي حسين


الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وفيك بارك الله عز وجل.
 
الوارد نور إلهي يقذفه الله تعالى في قلب من أحب من عباده، والحب أصل الإيمان وصفته وأثره، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} المائدة 54، وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن بعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، فالإيمان مقره القلب قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الحجرات 7-8، وقال سبحانه: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المجادلة 22، وإمداد القلب بالأعمال الصالحة يزيد من نور الإيمان وتزيينه، وأعني بالعمل الصالح الالتزام بأمر الله تعالى واجتناب ما نهى عنه سبحانه، ودائرته واسعة تشمل حركة الإنسان إذا طابقت ما له أصل في شرع الله سبحانه وأريد بها وجه الله عز وجل، ومن أجلّ الأعمال ذكر الله تبارك وتعالى كما جاء في القرآن الكريم {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت 45، وحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليلككم وأرفعها في درجاتكم و خير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) الترمذي وابن ماجه رحمهما الله تعالى، وللمسلم بشكل عام وللسالك بشكل خاص ورده من ذكر الله تبارك وتعالى فيمد القلب بالنور، فهو أثر من آثار الورد، فما دام لك ورد من أفعال الخير فهناك وارد، ومن تأمل في نصوص الكتاب والسنة يجد أن هنالك شيئاً يرد على القلب ويمده بالخير وهذا هو الوارد، فتأمل رعاك الله تعالى فيما سبق وفيما يلي، ولا تخفى عليك بإذن الله تبارك وتعالى أمثاله، قال عز وجل: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} الزمر 22 ، وقال سبحانه: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الأنعام 122، وقال جل وعلا: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الحجرات 14، وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه) أحمد والطبراني رحمهما الله تعالى، فالمتأمل في هذا الحديث الشريف يجد فيه قلباً وصف بأنه (مصفح) فيه إيمان وفيه نفاق، فالعمل الصالح يمد الإيمان، والطالح يمد النفاق، فأيهما غلب بدّل صفة القلب، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمر بالفحشاء}) الترمذي رحمه الله تعالى.
والوارد منه وهبي ومنه كسبي، قال حضرة الشيخ إبن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى في حِكَمه: (إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه وارداً، أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار وليحررك من رق الآثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك) فالوارد هو الذي ينهض بحالك إلى الله تبارك وتعالى ويزيد في إيمانك ويوقظك من غفلاتك، بينما الخاطر على العكس من ذلك، وعلامة الأول انشراح الصدر وعلوّ الهمة في العبادة، وعلامة الثاني ضيق في الصدر وتزيين للمعصية وحال تكره أن يطلع الناس عليه، كما وضّح ذلك حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قوله: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) مسلم رحمه الله عز وجل.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم