27/6/2013

السؤال:

السلام عليكم سيّدي حضرة الشيخ، أتمنى أنْ تكونوا بصحة وعافية ونراكم في قطر . سؤالي لكم سيّدي عن الموقف الصحيح في أحداث سوريا – ونحن لا نثق إلا بكم – سؤالي هو: موقف حضرتكم من دعوة علماء دين في القاهرة للجهاد في سوريا وإنه فرض عين، وأرجو من حضرتكم توجيهنا في ما يخص هل يجوز تقديم الدعم المالي للمشردين واللاجئين السوريين أو حتى الجيش الحر؟

 

الاسم: احمد عزالدين حسين

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله تعالى خيراً على تمنياتك الطيبة وأدعو لك بمثلها، وأشكرك على حسن ظنك بي.

بداية أسأل الله تبارك وتعالى أنْ يرحم جميع المسلمين والمسلمات، ويكشف عنهم الكربات، وينجّيهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه جلّ وعلا سميع قريب مجيب الدعوات، كما أني لا أتهم أحدا في نيّته فالعلماء يجتهدون فمنهم من يُصيب ومنهم من يُخطئ والكلّ مأجور إن شاء الله تعالى، لكنني أريد أنْ أضيء الطريق بما أفهم من كتاب الله عزّ وجلّ، وسنّة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، ومنهج العلماء العاملين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، الذين قال الله تعالى فيهم {…فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياءعليهم السلام/7].

إنّ الجواب عن هذا السؤال يتبيّن من خلال النقاط التالية:

1- ينبغي أنْ نعلم أنّ القتال صورة من صور الجهاد في الإسلام وليس الجهاد كله، فهو يشمل جهاد الإرشاد وجهاد النفس وجهاد الذبّ عن الحياض… الخ، وأنّ الجهاد عبادة كسائر العبادات، وكلّ عبادة لها شروطها التي ينبغي أنْ تتحقق فيها لتكون صحيحة وإلا بطلت، والشرط الرئيسي في الجهاد (القتال) حتى يكون فرضا هو: وجود الإمام، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إنما الإمام جُنّة يُقاتَل من ورائه ويُتّقى به، فإنْ أمر بتقوى الله عزّ وجلّ وعدل كان له بذلك أجر، وإنْ يأمر بغيره كان عليه منه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهنا أسأل: أين هذا الإمام؟ الجواب: لا وجود له اليوم وبالتالي فَقَدَ الجهادُ (القتال) شرطه الرئيس ليكون فرضا. إنّ غياب هذا الأصل عن المتصدرين لدعوى الجهاد اليوم وذهولهم عنه أوقعهم في خطأ كبير دفعت الأمّة ثمنه بشكل باهض.

2- الانتباه إلى موقف الأشرار مع ما يحدث في سوريا وغيرها من بلاد المسلمين، لماذا كلّ هذا الدعم الإعلامي والسياسي والعسكري؟ ما مصلحة هذه الدول الظالمة المتغطرسة في إعانة هؤلاء؟ هل يحرص أعداء الإسلام على إسعاد المسلمين؟ لا أعتقد أنّ عاقلا يمكن أنْ يظنّ ولو للحظة أنّ أعداء الإسلام يريدون مصلحة المسلمين، كيف وقد قال الحقّ جلّ وعلا {…وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا…} [البقرة/217]، وقال سبحانه {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة/8].

ولنسأل هذا السؤال: لو أنّ جماعة من المسلمين رفعت راية الجهاد لتخليص المسجد الأقصى المبارك من أيدي شُذّاذ الآفاق هل ستجد عُشْرَ مِعْشار هذا الدعم؟

 إنّ المتأمل ولو قليلاً يرى بكلّ وضوح أنّ تلك الدول لا تقدّم أيّ دعم إلا لتخريب بلاد المسلمين وتفريق صفوفهم وتمزيق وحدتهم وتماسكهم وجعلهم يقتلون أنفسهم بأنفسهم، وهذا ما يحصل في سوريا وغيرها.

3- إنّ القاعدة الفقهية تقول (درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح) فإذا حاولنا تطبيق هذه القاعدة على الثورات التي حدثت في بعض بلاد المسلمين والتي يسمّونها بالربيع العربي! نجد أنها كشفت بكلّ وضوح أنها أدّت إلى مفاسد لها أوّل وليس لها آخر، فأيّ بلد حدثت فيه تلك الثورات وتغيّر نظام الحكم فيه شهد استقرارا كالذي كان موجودا قبل الثورات؟ لا وجود لهذا الاستقرار بل الموجود هو: التنازع والتخاصم والتدابر والتقاتل على المصالح والكراسي وهذا بعض ما يريده أعداء الإسلام، هذا بالإضافة إلى مفاسد أخرى منها: إشاعة الجهل والمرض والفقر والتشريد، وتقوية آلة الأشرار، إذ من المعلوم لكلّ إنسان أنّ هذه الثورات تستخدم فيها الأسلحة وهي من صناعاتهم كما لا يخفى وهذا يؤدي إلى تشغيل تلك المصانع وإيجاد الأسواق لمنتجاتها، كما أدّت إلى تقوية النشاط الخارجي لتلك الدول (السياسة الخارجية) فكم من مؤتمرات واجتماعات ينفق عليها من عرق جبين المسلمين والمسلمات، وتقوية نفوذ الأشرار في بلداننا ووضع أيديهم على مصادر خيراتنا أمرٌ بات واضحاً كوضوح الشمس في رابعة النهار، بل تجاوز الأمر إلى التدخّل في مناهج التربية والتعليم والتزكية والتثقيف في هذه الأقطار، ونعوذ بالله تبارك وتعالى العزيز الغفّار أنْ نقول أو نكتب أو نطبّق حرفا فيه تقوية للأشرار، والمفتي الذي يدقّق النظر فيها تكفيه واحدة منها لمنع مثل هذه الفتوى.

4- إذا كان القصد من تلك الثورات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقول الله عزّ وجلّ {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران عليهم السلام/104]، أقول: إنّ الآية التي جاءت بعدها مباشرة تقول {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران عليهم السلام/105]. ثمّ إنّ الأصل المتفق عليه عند العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ النهي عن المنكر ينبغي أنْ لا يؤدي إلى منكر أكبر منه، وهذا ما تحقق من خلال تلك الثورات.

وإذا قلت: إنّ الحكام اليوم ظلمة، أقول ما قاله سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحقّ الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم (أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله، وقال: وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإنْ كانوا فسقة ظالمين).

5- إنّ حرمة دم المسلم كبيرة وعظيمة عند الله جلّ وعلا ، قال تعالى {…وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح/25]. فقد قدّر الله تبارك وتعالى أنْ تفتح مكة فتحا دون قتال كرامة لبعض المستضعفين من المسلمين الذين كانوا يخفون إسلامهم، ولو فتحت بقتال لحصل الذي ذكره الله تبارك وتعالى في الآية الكريمة من الخشية أنْ يقتل المسلم أخاه المسلم وهو لا يعلم بإسلامه، {لو تزيّلوا} أي لو انفصل المسلمون عن المشركين أو كنتم قادرين على أنْ تفصلوا المسلمين وتميزوهم عن غيرهم {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}. وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم مؤكداً هذه الحرمة (من أشار إلى أخيه بحديدة فإنّ الملائكة تلعنه حتى وإنْ كان أخاه لأبيه وأمه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

6- أمّا ما ذكرته من تقديم العون والمساعدة للمنكوبين فلا مانع منه شرعا شريطة أنْ لا يؤدي إلى فتنة أو يستخدم كوقود لها لأنّ الواجب الشرعي هو الابتعاد عن الفتن، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، ومنْ يشرف لها تستشرفه، ومنْ وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وقال عليه الصلاة والسلام أيضاَ (إنّ بينَ يدي الساعة فِتَنا كقِطَع الليل المظلم، يُصبح الرجل فيها مؤمنا ويُمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعى، فَكَسِّرُوا قِسِيّكم، وقطّعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإنْ دُخِلَ على أحد منكم فليكنْ كخير ابنَيْ آدم) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

7- إنّ ما يحدث في البلاد العربية والإسلامية يوجب علينا العمل لإقامة دار الإسلام ونشر هذا الدين العظيم الذي أكرمنا الله تبارك وتعالى به وذلك من خلال سلوكياتنا وأخلاقياتنا والتزامنا ودعائنا، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (493، 532، 613، 832، 1418).

والله تعالى أعلم.