2013/08/28

السؤال:

السلام عليكم يا شيخ أنا في بلاء عظيم واليوم والدي ووالدتي كانا يتعاركان ويصرخان فدعوت الله أن تهدأ الأمور وشغلت من الموبايل سورة الأنبياء والحمد لله استجاب الدعاء لكن بعد ساعة أردت أنْ أقرأ كتاب الله ففتحته عشوائيا وفوجئت ظهرت لي سورة الأنبياء، فهل تعتبر صدفة أم تنبيه؟!

وجزاك الله خير الدنيا والآخرة

 

الاسم: المتوكلة على الله

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسأله عزّ وجلّ أنْ يجزيك كلّ خير وينوّر قلبك ويشرح صدرك ويلهمك رشدك ويثبتك على صراطه المستقيم برحمته إنه جلّ وعلا أرحم الراحمين.

قال المهيمن جلّ جلاله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس/7-8]، وقال سيّد الثقلين وإمام العالمين سيّدنا محمد صلى الله سبحانه عليه وآله وصحبه وسلم (إنّ للشيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشيطان فإيعادٌ بالشر وتكذيبٌ بالحق، وأمّا لمّة المَلك فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، فمَنْ وجد فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومَنْ وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثمّ قرأ {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يفرج عنكم وعن جميع المسلمين كلّ بلاءٍ وكربٍ وشدةٍ إنَّهُ جلّ جلاله وعمّ نواله وليّ ذلك والقادر عليه، واعلمي رحمكِ الله تعالى أنَّ الدنيا دارٌ محفوفةٌ بالبلاء، ولا راحة للمؤمن فيها دون لقاء الله الكريم عزّ وجلّ، وكلّ عملٍ يعمله المؤمن يزِنهُ بميزان الشرع الشريف فلا توجد شاردةٌ ولا واردةٌ ولا صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وللشرع المبارك فيها حكمٌ، وقد فعلتِ الصواب وأخذتِ بالأسباب الشرعية التي أمر الله تعالى بها، فدعاؤك خير علاجٍ فقد قال حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وقال معلّم الخير سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ) الإمام الحاكم رحمه الله عزّ وجلّ، ثمَّ إنَّكِ قد أحسنتِ بالاستماع للقرآن الكريم فهو كلام الحق جلّ وعلا وفيه النور والبركة وعلاج لمشاكل الإنسانية بجميع نواحيها، قال مُنَزِّل القرآن جلّ ثناؤه {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد} [إبراهيم عليه الصلاة والسلام/1]، وقد أجدتِ باختيارك سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ذلك أنَّ أحد محاورها المهمّة بيان أنَّ البلاء بشتى أنواعه يصيب المؤمنين حتى الصفوة منهم مع أنّهم أفضل الخليقة عليهم الصلاة والسلام، كما بيّنت السورة ما هو الواجب على المؤمن في مثل تلك الأحوال وبيّنتْ طريق الخلاص مِنَ المصائب عند وقوعها بل وقبل وقوعها، ففي تلك المُدْلَهِمّات يرتقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – وهم القدوة لغيرهم – في أجواء رائعة مِنَ المناجاة لربهم بالتوجه والدعاء والذكر والتذلل واستفتاح أبواب السماء واستمطار رحمة الرحمن تقدست أسماؤه فكان مجيب دعوة المضطرين عزّ كماله يعقب قصصهم على الفور بكلمة واحدة مشتركة بين كلِّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام/88]، ولاحظي استعمال القرآن لحرف الفاء الذي يفيد التعقيب السريع وسرعة استجابة الله تعالى لدعائهم عليهم الصلاة والسلام، وانظري لقوله تعالى {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام/88]، فيتبيّن أنّ ذلك هو طريق رفع البلاء لكلّ مؤمن، والحقّ أنَّ ما قمتِ به هو مِنْ إلهامات الحق عزّ وجلّ لك وتوفيقك لطاعته، فإنَّ الله تعالى يُلهِمُ القلوب المؤمنة والصادقة  لتتوجّه إلى الصواب وتتبيّن الحقائق بمنَّةٍ مِنهُ ولطفٍ خفيّ، وهكذا الإنسان أحيانًا يجد في قلبه شيئًا يدفعه إلى الضّلال ويحرّكه على الفساد على المعاصي، وأحيانًا يجد كأنّ شيئًا يحرِّكه على عمل الخير والابتعاد عن الذنوب.

أمّا الموافقة التي حدثت عندما فتحت المصحف فلعلّها إشارة إلى بيان أنّ طريق التفريج لبلائك هو ما ذكرناه وهو طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما هي أشارة إلى ضرورة الإقتداء بهم عليهم الصلاة والسلام في صبرهم على نشر الدعوة وعلى نوائب الزمان، ولاشكّ أنَّ لله تبارك اسمه في كلّ حادث في الكون حكما كثيرة متنوعة، والمؤمن الواعي هو الذي يستنبط الحكم في أفعال الله عزّ وجلّ في الحياة، والفاصل في هذه المسائل هو الاستنارة بنور الكتاب والسنة، أو سؤال المختصين من أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وقد قال الإمام أبو سليمان الداراني رحمه الله عزّ وجلّ (إنَّه لتمرُّ بقلبي النُكتةُ مِنْ نُكَتِ القومِ فلا أًقبلها إلا بشاهدي عدلٍ مِنَ الكتاب والسنة) وصلى الله تعالى على إمام الأنبياء وقدوة المؤمنين والأولياء سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه المتبعين له في السراءِ والضراءِ ما رنّم الطيرُ في جو السماء.

والله سبحانه وتعالى أعلم.