2013/09/26

الرسالة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخي الغالي حفظكم الله (عزّ وجلّ) عزة لدينه ولنا وللمسلمين أجمعين وآنسكم بلقيا حبيبه في أعلى جنانه، شيخي أرجو من جنابكم الكريم الدعوة لي بتفريج همّي الذي نزل بي وغربتي التي أحاطت بي قاصدا منها علما فيه مرضات الله (عزّ وجلّ) فإني لأعلم علم اليقين أنّ دعوة الصالحين مستجابة.

 

الاسم الكامل: عمر احمد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على دعائك الكريم ومشاعرك الطيبة وحسن ظنّك بي، وأسأله جلّ وعلا أنْ يفرّج همّك ويزيل غمّك ويكشف كربك وييسّر أمرك ويشرح صدرك وينوّر قلبك ودربك إنّه سبحانه وتعالى سميع مجيب.

وأذكّر جنابك الكريم ببعض ما ورد في الشرع الشريف ممّا يعينك على ما أنت فيه:

قال الحقّ جلّ وعلا {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام/87، 88].

قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (دعوة ذي النون إذا دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنّه لم يدع بها رجلٌ مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وعن سيّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: همومٌ لزمتني وديون يارسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عزّ وجلّ همّك وقضى عنك دينك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهمّ إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال, قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عزّ وجلّ همّي وقضى عنّي دَيْنِي) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

وقال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام (ما قال عبد قط إذا أصابه همٌّ وحزنٌ: اللهمّ إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أنْ تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب الله عزّ وجلّ همّه، وأبدله مكان حزنه فرحا، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أنْ نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: أجل ينبغي لمَنْ سمعهنّ أنْ يتعلمهنّ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

الاستغفار، قال الله جلّ وعلا على لسان سيّدنا نوح عليه السلام {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح عليه السلام/10،12]، وقال نبيّنا المختار صلى الله العزيز الغفار وسلم عليه وآله الأطهار وصحبة الأبرار (من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ ضيق مخرجا، ومن كلّ همٍّ فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

يا ربّ إنْ عظمت ذنوبي كثرة                                   فلقد علمتُ بأنّ عفوك أعظمُ

إنْ كان لا يرجوك إلا محســنٌ                                   فبمَنْ يلوذُ ويستجيرُ المجـرمُ

مالـي إليـك وسيلةٌ إلا الرجــاء                                   وجميل عفوك ثمّ أني مسلــمُ

الصلاة على سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فعن سيّدنا أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس أذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، قال أبي: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال: قلت الربع؟ قال: ما شئت فإنْ زدت فهو خيرٌ لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت فإنْ زدت فهو خيرٌ لك، قال: قلت فالثلثين؟ قال: ما شئت فإنْ زدت فهو خيرٌ لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همّك ويُغفر لك ذنبك) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وأرجو مراجعة المشاركة المرقمة (166) في هذا الموقع المبارك.

أمّا الصلاة عـلى النبيّ فـقـربـةٌ                                   ووسـيلةٌ تُـمحى بهـا الآثــامُ

وبها يَـنـالُ المـرءُ عـزّ شفاعـةٍ                                   تـلـقـاه مـنـهـا جـنّـةٌ وسـلامُ

كنْ للصلاة على النبيّ ملازمـا                                   فصلاتها الإعزازُ والإكرامُ

ومن رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أنّه لم يُدِم عليهم العسر فهو القائل سبحانه {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح/5، 6]، لمّا نزلت خرج النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول (لنْ يغلب عسرٌ يسرين) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.

وصدق القائل:

هوّن عليك فكلّ الأمر يـنـقطع                        وخـلِّ عنكَ ضباب الهمِّ يندفـعُ

فكلُّ هـمٍّ لـه مـن بعـده فــــرجٌ                        وكـلُّ كـربٍ إذا ضـاق يـتّـسـعُ

إنّ البلاء وإنْ طال الزمانُ به                        الموتُ يقطعُهُ أو سوف ينقطِعُ

ورحم الله تعالى القائل:

وإذا مسّك الزمـــــــــانُ بضرٍّ                        عظمت دونها الخطوبُ وجلّتِ

وأتت بعده نوائبُ أخــــــــرى                        سئمتْ نفسُك الحيــــــاة وملّـتِ

فاصبرْ وانتظرْ بلوغَ الأمـاني                        فالرَزايــــــــا إذا توالت تولّتِ

أمّا الغربة التي تشعر بها فهي إحساس كلّ مؤمن ما دام في الدنيا لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

واحمد الله تبارك وتعالى أنّ تغرّبك هذا في طاعته عزّ وجلّ إذ تطلب العلم، وفوائد هذا الطلب كثيرة منها: ما قاله نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، فاجعل من هذا الحديث الشريف وغيره زادا يُعينك على تحمّل الغربة، واعلم أنّ الغربة الحقيقية هي التي ذكرها سيّدنا الإمام علي بن الحسين زين العابدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين في قصيدته العظيمة (من الغريب) جاء في مطلعها:

ليس الغريب غريب الشام واليمن                                إنّ الغريب غريب اللحد والكفن

وللاطلاع على القصيدة كاملة أرجو مراجعة المشاركة المرقمة (206) في هذا الموقع المبارك، والله سبحانه وتعالى أعلم.