2014/01/01

السؤال:

سؤالي هو:- رجل تزوّج المرة الأولى لمدة عامين طلّق فيها زوجته طلقتين وأنجب منها ولدا، وتزوّج الثانية لتسعة شهور وطلقها دون أنْ تنجب، وتزوّج الثالثة وصبرت معه واستطاعت العيش ١١ سنة طلقها خلالها ٣ طلقات ولأسباب جداً واهية وله منها ٦ أطفال، فما حكم مثل هذا الرجل هل يأثم بالتهاون بهذه الرخصة التي شرّعها الله مع تسميتها بأبغض الحلال عنده؟ وهل التلاعب ببنات الناس وتشتيت الأطفال لا يعد إثما؟ للعلم جميع من تزوّج بهنّ على دين وخلق ومن أصول طيبة وشريفة، وهو رجل كبير بالسن ويصلي بالمسجد ويصوم ويقصر ثوبه ..

والسؤال الآخر:- الطلاق بعد الوضع بأربعة أيام ما حكمه ؟؟ وهل يقع ؟؟

 

الاسم الكامل: شاهيناز سامي جعفر برزنجي

 

الرد:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يحفظك ويرعاك وسائر المسلمين برحمته إنه سبحانه أرحم الراحمين.

لقد بيّن الله جلّ جلاله وعمّ نواله في كتابه الكريم أنّ لعقد الزوجية مكانة كبيرة وعظيمة إذ وصفه بالميثاق ووصف هذا الميثاق بالغليظ تأكيدا لقوّته وضرورة المحافظة عليه فقال {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21].

والطلاق من غير سبب خرق لهذا الميثاق، واستهانة بالنصوص الشرعية الشريفة الكثيرة التي أكّدت على ضرورة العناية بالمرأة بشكل عام والزوجة بشكل خاص، فقد سمّى الله جلّ في علاه سورة كاملة في كتابه العزيز بـ (سورة النساء) وفيها الكثير من الأحكام المتعلقة بها، وعن سيّدنا أَنَسُ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، لاَ تَكْسِرِ القَوَارِيرَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه، فشبّه المرأة بالقارورة لرقتها وضعفها مدحا لها لا ذمّا فيها.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوَطِّئْنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

والطلاق لغير سبب مكروه شرعا وقد يكون محرّما في بعض الحالات لما فيه من خراب للبيوت وتضييع للأولاد وقد حذّر خير العباد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من ذلك فقال (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

وإذا رأى الزوج من امرأته ما يكره فعليه أنْ ينتبه إلى ما وجّه به ربّه سبحانه في كتابه العزيز إذ قال {— وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

وهذا ما أكّده سيّد الأنام ومصباح الظلام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام إذ قال (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ، أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ، ومعنى لا يَفْرَك أي لا يبغض.

وورد عن حضرة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين أنه قال (أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود جلّ وعلا.

وقال أيضا (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ، قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

فعلى الزوج أنْ يتقي الله تبارك اسمه فيما استرعاه ويعلم أنه سيسأل عن ذلك إذ قال نبيّنا المكرّم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إِنّ الله سَائل كل رَاع عَمَّا استرعاه حفظ أَمْ ضَيَّعَ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيته) الإمام الهيثمي رحمه الله سبحانه في موراد الظمآن.

ويجعل نصب عينيه قول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) الإمام ابن ماجة رحمه الله جلّ وعلا.

وأسأل الله عزّ وجلّ أنْ يوفق الأزواج رجالا ونساء للعمل بكتاب الله جلّ في علاه وسنّة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لتهنئ أسرهم بالحياة الطيّبة التي تقوم على أساس المحبة والتسامح، إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.

أمّا بالنسبة للسؤال الثاني: وإنْ كنت قد اعتذرت عن الإجابة على أسئلة الطلاق كما هو مثبت في هذا الموقع المبارك إلا أنني سأعدل عن ذلك وأجيب حضرتك إكراما لمدينة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فأقول وبالله عزّ وجلّ التوفيق:

الأصل في الطلاق الشرعي أنْ يطلّق الرجل امرأته وهي على طهارة من الحدث الأكبر (جنابة، حيض، نفاس) فإذا طلقها وهي في حالة من هذه فإنّ طلاقه يقع لكنه يكون آثما، وهذا النوع من الطلاق يسمّى في اصطلاح الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بـ (الطلاق البِدْعِي) لما فيه من مخالفة للطلاق الشرعي الذي سبق ذكره.

والله جلّ وعلا أعلم.