2014/01/23

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيدي الحبيب أسأل الله لكم أن تكونوا بأفضل صحة وعافية وان يرزقكم سبحانه افضل الدرجات في الدنيا والآخرة

سيدي الحبيب احد الذي اعرفهم تزوج فتاة من عائلة ظاهرها الصلاح والخوف من الله وبعد فترة من الزواج تبين له في هذه العائلة (النساء هم القائمات على الرجال) ابتداءً من الأم مرورا بجميع أخواتها فأصبح هو الحالة الشاذة والغريبة في العائلة , فالزوجة سليطة اللسان وتستعلي على زوجها وتعصيه وتخرج بدون اذن منه (الأصح أنها تستأذن فان وافق فبها وان لم يوافق تقيم الدنيا على رأسه ولا تقعدها ومع ذلك تخرج بعدها) فان تكلم مع أهلها كانوا معها عليه مع العلم انه طلب مساعدتهم فأصبحوا جميعا عليه لإسكاته وحتى يصبح مع ما هم متعودين عليه من قوامة النساء في بيتهم على الرجال, سلك طريق الشرع الشريف في التعامل مع الزوجة الناشز التي لا تطيع زوجها وتخرج بدون إذنه

فأبتدئ بالوعظ والتذكير بأحاديث النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) في عظم طاعة الزوج واستخدم الكلام اللين والمحب والترغيب والصبر عليها ولكن التربية التي تربت عليها كانت حاضرة ثم ابتدأ بهجرها ثم أخيرا بعد أن صرحت علانية بأنه لا يوجد هناك رجل فوقها وتخرج كما تشاء قام بضربها فلم ينفع معها كل هذا وقامت بالذهاب لبيت أهلها علما انه لم يسمح لها بذلك فحتى إن طلقها فهي تبقى في بيت الزوجية مدة العدة ولم أر واحدا من أهلها قال بان هذا مخالف للشرع، فالشرع عندهم وقت أن يحتاجون إليه فقط لا أن يطبقوه على أنفسهم وهي عندهم منذ فترة علما انه لم يقصر معها في تعامل حسن وكلام طيب ومسكن وملبس ومأكل وهو بعد كل هذا متمسك بها لشيئين الأول لان الزواج عقد غليظ وليس بلعبة والثاني هو هناك طفل بينهما فلا يريد أن يضيع مستقبل هذا الطفل وبعد كل هذا سيدي الحبيب أسألكم رأيكم في أمور مهمة وتؤثر تأثيرا مباشرا على المجتمع.

1- كثرة المصائب والمشاكل على الرجال ربما أنستهم بقوامتهم على النساء فأصبحت المرأة هي القائمة عليه والنتيجة تظهر باختفاء الرجال إلا من أشكالهم أما أبنائهم فيظهرون بصورة أولاد ولكن بتصرفات بنات هذا اللي لاحظته.

2- ما حكم المرأة التي تنغص حياة الرجل وتجعلها جحيما حتى يطيعها في كل الأمور وما حكم الرجل إن استجاب لذلك (وأطاع الرجل زوجته) حتى أني أظنها من علامات الساعة؟

3- ما هو حكم المرأة الناشز التي لا تطيع زوجها وتخرج بدون إذنه وما هو حكم أهلها الذين يساعدوها على هذا؟

أخيرا سيدي فأشير إلى أنّ القوامة ليس معناها القسوة والتحكم والتعالي فالإسلام إذا جعل القوامة للرجل على المرأة , لم يشرع استبداد الرجل بالمرأة ولم يرد أن تكون تلك القوامة سيفا مسلطا على المرأة وإنما شرع القوامة القائمة على الشورى والتعاون والتفاهم والتعاطف المستمر بين الزوج وزوجته وأنْ يكون هو أميرا لها لا أنْ تكون هي سيفا مسلطا على رقبته

ربما تكون هذه إحدى الأسباب لكثرة الطلاق في أيامنا هذه ودعوت الله أخيرا أنْ يرزقه الله بالزوجة الصالحة

نسأل الله لكم الحفظ ونشكركم سيّدي على وقتكم

ابنكم المحب أبو محمد الآلوسي.

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله عزّ وجلّ فيك على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.

بداية يجب أنْ نُقدّم حسن الظّنِّ بالمسلمين، لأنَّ سوء الظّنِّ بالمسلمين محرّم قال جلّ جلاله وعمّ نواله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات/12]، وقال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) متفق عليه.

فسوء الظّنِّ يتسبب في  شرور كثيرة كالتجسس والغيبة وغير ذلك.

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى (فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك، أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه وكل ذلك من المهلكات) إحياء علوم الدين.

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله جلّ وعلا (اعلم أنَّ سوء الظّنّ حرام مثل سوء القول ولست أعني به إلاّ عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه بل الشك أيضا معفو عنه ولكن المنهي عنه أنْ تظنّ والظّنّ عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، قال الله تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وسبب تحريمه أنَّ أسباب القلوب لا يعلمها إلاّ علام الغيوب فليس لك أنْ تعقد في غيرك سوءا إلاّ إذا انكشف لك بعبارة لا تحتمل التأويل فعند ذلك لا يمكنك ألاّ تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك فإنّ الشيطان يلقيه إليك فينبغي أنْ تكذبه فإنّه أفسقُ الفسّاق، وقد قال تعالى أول سورة تلك الآية إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية. ولا تغتر بمخيلة فساد إذا احتمل خلافها لأنّ الفاسق يجوز أنْ يصدق في خبره لكن لا يجوز لك تصديقه، ومن ثمّ لمْ تحد أئمتنا برائحة الخمر لإمكان أنّها من غيرها، وتأمل خبر: إنَّ الله حرم من المسلم دمه وماله وأنّ تظن به السوء.  فعلم منه أنّه لا يسوغ لك ظنّ السوء به إلاّ ما يسوغ لك أخذ ماله من يقين مشاهدة أو بينة عادلة وإلاّ فبالغ في دفع الظّنِّ عنك ما أمكنك لاحتمال الخير والشر. وأمارة سوء الظّنِّ المحققة له أنْ يتغير قلبك عليه عمّا كان فتنفر عنه وتستثقله وتفتر عن مراعاته وفي الخبر: ثلاث في المؤمن وله منهنّ مخرج فمخرجه من سوء الظّنِّ أنْ لا يحققه  أي لا يحقق مقتضاه في نفسه بعقد القلب بتغييره إلى النفرة والكراهة ولا بفعل الجوارح بإعمالها بموجبه. انتهى) الزواجر عن اقتراف الكبائر.

وعموما فالأصل في الحياة الزوجية أنْ تقوم على التفاهم، بمعرفة كل من الزوجين ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات، ليتحقق استقرار الأسرة، الذي هو أساس الحياة الزوجية، وجماع هذا كله أنْ يكون الدِّين هو الأساس في معاملة الزوجين أحدهما للآخر، وإلاّ انفرط النظام، وتشتتت الأسرة، وضاع الأطفال.

فلابدّ إذن أنْ يكون منطلق التصرف مرضاة رب العالمين، فلا يفسَّر التصرف من أحد الطرفين بأنّه فرض قرارات، ولتعلم الزوجة أنّ الله عزّ وجل جعل القوامة بيد الرجل، حيث قال {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم} [النساء/34]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1759).

يقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لاَ يَفْرَكْ – يبغض – مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

فإذا وجدّت في زوجتك سلاطة اللسان فتذكر ما فيها من خير وإحسان، فإنَّ الإنصاف يكون بوضع الحسنات إلى جوار السلبيات، ولا يمكن أنْ تجد امرأة بلا عيوب، وأنت كذلك لا تخلو من العيوب، ولكن طوبى لمن انغمرت سيئاته في بحور حسناته.

والمرأة إذا خرجت عن طاعة الزوج في المعروف فهي امرأة ناشز وقد جاء في شريعة الإسلام عدة وسائل لتأديبها، قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً*وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء/35].

ومن الضروري أنْ يكون نصحك لها في لحظات الصفاء، وحبّذا لو كان في الخفاء، ولا تفكّر في طلاقها، فإنّك لن تجد امرأة ليس عندها عيوب ومشاكل، وسوف يتسبب الطلاق في ضياع ولدكما، فاتّق الله في نفسك وفيها، وأكثر من الدعاء لها فإنّ الله سبحانه يجيب من دعاه، وإذا كانت تصرفاتها ليست دائمة فإنَّ العلاج سهل بإذن الله الكبير المتعال، والإنسان لا يندم على سكوته لكنّه يندم على الكلام، واعلم أنّ العاقبة للصابرين، وأنّك تؤجر بصبرك عليها.

وشجعها على الإكثار من ذكر الرحمن، حتى ينصرف عدونا الشيطان، الذي لا همّ له إلاّ أنْ يُحزن أهل الإيمان.

وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال، فإنّه لا يهدي لأحسنها إلاّ هو سبحانه.

والله تبارك وتعالى أعلم.