2020-02-06
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحيّاكم الله تعالى شايخنا الفاضل.
سائل يسأل فيقول: بعنا بيتنا عن طريق وسيط (دلال عقار) وقد اتفق معنا على بيع دارنا على شخص يكتب في المكاتبة مبلغ ٤٠ مليون يدفعها المشتري له لكن يسلّمنا ٣٥ مليون ويأخذ الباقي له، فهل يجوز هذا البيع؟ أفتونا مأجورين جزاكم الله خيرا؟ ملاحظة: الدلال متفق مع البائع في حال سؤال المشتري ٤٠ مليون واستلام البائع ٣٥.
 
الاسم: عبد الله
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:
فإنّ السمسرة وساطةٌ بين البائع والمشتري يقوم بها شخصٌ ما مقابل أجرة معينة، تؤخذ ممّن طلب الوساطة أو مِن البائع والمشتري كليهما، وتكون نسبة معينة أو مبلغ مقطوع، يعتمد كلّ ذلك على الشرط المتّفق عليه أو العُرف المُتّبع بين المتعاقدين، فإذا حصل اتفاق بين الدلّال والبائع والمشتري على أنْ يأخذ من المشتري أو من البائع أو منهما معًا مبلغًا معلومًا جاز ذلك، ولا تحديد معين للمبلغ، بل هو بحسب الاتفاق والتراضي، ولكن ينبغي أنْ يكون في حدود ما جرت به العادة بين الناس، ممّا يحصل به نفع الدلال في مقابل ما بذله من وساطة وجهد لإتمام البيع.
وما يأخذه الدلّال أو السمسار من عمولة هي أجرة سمسرة ودلالة، وهذه الأجرة جائزة في الأصل؛ لقول الله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَوْفُوْا بِالعُقُوْدِ —} [سورة المائدة: 1].
وأيضاً قوله سبحانه: {— وَأُحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا —} [سورة البقرة: 275].
وقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه: (المُسْلِمُوْنَ عَلَى شُرُوْطِهِمْ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
ولكن ينبغي ألّا يكون في هذا التصرّف ضرر على البائع أو المشتري بزيادة السعر فوق المعتاد مثلاً، أو أنْ يتضمّن ذلك العقد محذورًا شرعيًّا كالحُرمة أو الغشّ، أو مخالفة لنظام متّبع في البلد، أو مخالفة لعُرْف سائد مشروع، أمّا إذا لم يكن شيء من ذلك فالأصل فيه الإباحة.
كذلك ينبغي أنْ يُستثنى من ذلك حال الضرر بالمتعاقدين من جرّاء مغالاة السمسار في أجرته، أو تحكّمه في العقد مراعاة لمصلحته، كذلك إذا كان المشتري يتوقَّع من الدلال أنّ وساطته بلا مقابل لما يربطه معه من سابق صلة وعلاقة حميمة كونه من أقربائه أو من أصدقائه المقرّبين؛ فيُحسن المشتري أو البائع الظنّ بتصرّف الدلال، فلا ينبغي للدلال حينئذ أنْ يأخذ منه عمولة لا يتوقَّعها، أو يكتم عليه سعر الشراء الحقيقي، وسيكون في ثناء السمسار على السلعة وعرضها عليه تغرير له، أمَّا إذا لم يكن الأمر كذلك فهو على أصل الحِلِّ كما تقدّم.
وإذا طلب المالك الحقيقي للعقار من الدلال أنْ يبيع العقار بمبلغ ما، فعلى الدلّال أنْ يُراعي حقوق وحاجة إخوانه المسلمين، خاصّة إذا وجد أنّهم يحتاجون هذا العقار، أو أنّ الأشخاص الذين سيشترون منه أشخاص يعوزهم المال، فعليه أنْ يتقي الله جلّ في علاه، فهذا من باب النصيحة العامّة المسلمين، ولا ينبغي للإنسان أنْ يكون كثير الجشع، كثير الطمع، لا يُراعي حقوق إخوانه وحوائجهم، ولو فعل غيره به ذلك لما رضي بهذا، والمسلم يُحبّ لإخوانه ما يُحبه لنفسه، ويكره لإخوانه ما يكره لنفسه، لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) متفق عليه.
وعليه فلا ينبغي للدلّال أنْ يبالغ بالأرباح مع إمكان البيع بالأقلّ، أو أنْ يبالغ بربحه من الصفقة.
قال النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين: (رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضِى) الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ.
فالأصل أنْ يبيع ويشتري سمحاً، بحيث ينتفع هو ولا يضرّ الآخرين.
أمّا إذا عمل السمسار لأحد المتعاقدين نظير جُعْل معيّن، لم يلزمه إعلام الطرف الآخر به، ولو أضيف الجُعل إلى الثَّمَن، ما لم يكن في ذلك زيادة فاحشة تؤدي إلى الغبن، فتُمنع من هذا الباب.
فمثلاً إذا قال البائع: بع هذا بأربعين، ولك منها خمسة، وكان ثمن العقار في السوق خمسًا وثلاثين، لم يلزم إعلام المشتري بعمولة السمسرة، ما دام المشتري قد رضي بالثَّمَن، ولم يكن ثمَّة خداع أو تغرير.
وقد نصّ جماعة من الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ أجرة الدلّال من التكاليف التي تضاف إلى الثَّمَن في بيع المرابحة القائم على الأمانة في الإخبار بالثَّمَن، فأولى أنْ يُضاف إلى الثَّمَن في بيوع المُمَاكَسَة التي لا يلزم فيها الإخبار بالثَّمَن الأصلي، ومَاكَسَهُ فِي البَيْعِ: معناه سَاوَمَهُ لِكَيْ يَنْقُصَ الثَّمَنَ.
قال العلماء رحمهم الله جلّ جلاله: (لَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْحَقَ بِرَأْسِ الْمَالِ أُجْرَةُ الْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَالْغَسَّالِ وَالْفَتَّالِ وَالْخَيَّاطِ وَالسِّمْسَارِ وَسَائِقِ الْغَنَمِ، وَالْكِرَاءُ، وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَلَفُ الدَّوَابِّ، وَيُبَاعُ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً عَلَى الْكُلِّ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ أَنَّهُمْ يُلْحِقُونَ هَذِهِ الْمُؤَنَ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَعُدُّونَهَا مِنْهُ) بدائع الصنائع للإمام الكاساني رحمه الله سبحانه (5/223).
أمّا إذا عمل السمسار لأحد المتعاقدين، لم يجز له أنْ يتواطأ مع الطرف الآخر على زيادة السعر أو إنقاصه؛ لأنّ ذلك من الغشّ وخيانة الأمانة، لا سيما إذا كان السمسار يتولّى العقد؛ لأنّه وكيل حينئذ، والوكيل مؤتمن، وما يربحه فلموكله؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم: (وَهِبَةُ بَائِعٍ لِوَكِيْلٍ اشْتَرَى مِنْهُ، كَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَنِ، فَتُلْحَقُ بِالعَقْدِ لِأَنَّهَا لِمُوَكِّلِهِ) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للإمام الرحيباني رحمه الله جلّ وعلا (3/132).
كذا لو اقتصر دوره على الدلالة على البائع أو المشتري ولم يُحدَّد له سعر معيّن، بل طُلب منه البحث عن أفضل الأسعار بيعا أو شراء كان تواطؤه مع غير من استعمله غشاً وخيانة.
وأخيرا فمن الضروري أنْ تكون الأمور واضحة بين البائع والمشتري وصاحب المكتب حتى لا تُمحق البركة، فكلٌّ من البائع والمشتري يعرف أنّ للدلال نسبة يأخذها منهما فلا داعي من الاتفاق مع البائع بسعر والمشتري بسعر آخر، فهذا قد يفتح أبوابا أخرى لا تحمد عقباها، فالصدق مطلوب من جميع الأطراف، وهذا ما أختاره وأوصي به تمسكاً بهدايات قول النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (دَعْ مَا يُرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيْبُكَ) الإمام الترمذي رحمه الله الولي جلّ وعلا.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.