2020-07-29

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي حفظكم الله لنا ذخرا وآدامكم لنا عزّا وفخرًا، عذرًا سيّدي كنت قد سمعت دعائكم في إحدى محاضراتكم المباركة ومنه (ربّنا لا تعذبنا وأنت علينا قادر) وبعدها أصبحت أكرره دائما في دعائي. فسمعه منّي أحد أساتذة اللغة العربية فقال لي: لا يصح أنْ يكون الدعاء بهذه الصيغة وإنّما يكون (ربنا لا تعذبنا فأنت علينا قادر) لأنّ قولك الأوّل معناه إن قدرت علينا فلا تعذبنا، ومعنى الثاني هو الذي يحقّق المقصود. عذرا سيّدي على الإطالة وأحببت أنْ أتبيّن رأيكم المبارك حتى أقول كما تقول وجزاكم الله عنا وعن المسلمين الخير كله.

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أدعو لك ولجميع من يرتاد هذا الموقع الكريم بدعاء سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه لأصحابه الكرام رضي الله سبحانه عنهم وعنكم إذ قال:-

(مَرْحَبًا بِكُمْ وَحَيَّاكُمُ اللَّهُ، حَفِظَكُمُ اللَّهُ، آوَاكُمُ اللَّهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ، رَفْعَكُمُ اللَّهُ، هَدَاكُمُ اللَّهُ، رِزْقَكُمُ اللَّهُ، وَفَّقَكُمُ اللَّهُ، سَلَّمَكُمُ اللَّهُ، قَبِلَكُمُ اللَّهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِي اللَّهَ بِكُمْ —) الإمام البزار رحمه العزيز الغفار جلّ جلاله.

أشكر هذا الأستاذ الكريم كثيرا على ما أبدى، وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يجزيه خير الجزاء، ويجزل إليه العطاء، إنّه سبحانه سميع الدعاء.

إنّ الدعاء بـ (ربّنا لا تعذّبنا وأنت علينا قادر) صحيح بإذن الله جلّ في علاه، لأنّ الواو المصاحبة للضمير المنفصل (أنت) حاليّة، بمعنى أنْ لا تعذّبنا حال كونك قادرا علينا، ومن المعلوم أنّ هذا الحال بالنسبة لله ذي العزّة والجلال قائم دائم لا يتغيّر، لأنّه سبحانه القادر المقتدر ذو القدرة المطلقة، وقدرته عزّ وجلّ لا يعتريها تغيير أو تبديل، فهي اسم من أسمائه الحسنى، وصفة من صفاته الفضلى، قال عزّ من قائل:-

{— وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [سورة الكهف: 45].

وقال:

{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [سورة المرسلات: 23].

وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيْمُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ المَيَامِيْنَ فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ شَأنُهُ:-

{قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا} الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

ومن أدب المؤمن مع ربِّه سبحانه أنْ يستحضر دائما قدرة الله جلّ في علاه.

وقد كان سلفنا الصالح عليهم الرحمة والرضوان دائمي الذكر والتذكّر لقدرة الله عزّ وجلّ:-

(كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ سيّدنا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللهُ) شرح معاني الآثار (4/264).

وكذا:-

(خَاتَم سيّدنا عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ مِنْ وَرِقٍ (فِضَّة) وَنَقْشُهُ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللهُ) المجالسة وجواهر العلم (2/422).

وأرجو ألّا يغيب عن ذهن وفكر وقلب السامع الكريم لهذه الصيغة من الدعاء المذكور أنّ الأصل في ذلك كلّه هو الاعتقاد والإيمان، فعندما يدعو المسلم بدعاء فيه احتمال المعنى الذي تفضّل به الأستاذ فإنّ الذي يدفع ذلك هو إيمان الداعي بالمدعو سبحانه، واعتقاده الجازم بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى.

كما أنّ الله جلّ جلاله وعمّ نواله يراعي حال الداعي من حضور القلب وخشوعه بين يدي ربّه عزّ شأنه، قال الحبيب المحبوب صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-

(ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ ذكره.

أمّا الكلام المنمّق فلا قيمة له عند الله سبحانه إذا كان القلب غافلا، وبهذا المعنى روي عن سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنّه قال:-

(إنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ وَإِنَّمَا أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ فَإِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ مَعَهُ) مجموع الفتاوى (8/193).

وكذا بالنسبة للقواعد اللغوية بل حتى القواعد العقدية، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

أمّا بقية الأمور فقد تختلف فالتقديم والتأخير والزيادة والحذف كلّها مقبولة في الدعاء إذا تحقق الحال الموصوف أعلاه.

ومع ذلك فإنّ الدعاء بـ (ربّنا لا تعذبنا فأنت علينا قادر) أي بإبدال الواو فاءً أصحّ وأبلغ لأنّها تفيد الثبوت.

والله جلّت قدرته وتقدّست أسماؤه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه ذوي المجد والسؤدد.