2020-07-29

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كيف حالكم سيّدي الكريم أسأل الله تبارك وتعالى أنْ يبارك لي في عمركم وفي صحبتكم النقيّة.

سيّدي خطر على قلبي الغافل قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:-  

(أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ) الذي أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) باختلاف يسير.

فكيف يستشعر الذاكر معيّة الله سبحانه وتعالى له حال ذكره؟ وكيف يشهد ذكر الله تبارك وتعالى له إنْ ذكر ربّه تبارك وتعالى في نفسه؟ وهل لهذه الحال علامة، تطبيقية في حياة الذاكر؟ جزاكم الله سبحانه وتعالى عن خادمكم ومحبّكم كلّ خير.

 

الاسم: عبد الله محمد

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقكم المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خير، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه تعالى مجيب قريب، وبعد:-

قال الله تقدست أسماؤه:-

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [سورة البقرة: 152].

لاشكّ أنّ للذكر في شريعة الإسلام المباركة مساحة واسعة، فقد جاء ذكر أهميّته وفضله وأثره في حياة الفرد والجماعة في نصوص شريفة كثيرة، منها الحديث الشريف الذي ذكره جنابكم الكريم، وهو من أحاديث الرجاء العظيمة التي تحثّ المسلم على حُسن الظنّ بالله جلّ وعلا، والإكثار من ذكره، وبيان قرب الله تعالى من عبده إذا تقرّب إليه العبد بأنواع الطاعات، ثمّ أتبع ذلك ببيان فضل الذكر وجزاء الذاكرين، فذكر الله عزّ وجلّ أنّه مع عبده حين يذكره، وهذه المعية هي خاصة تتجلّى بصور متعدّدة، منها كما قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

الحفظ والتثبيت والتسديد كقوله جلّت قدرته:-

{قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [سورة طه: 46].

وهذه الصور وما شابهها ماديّة ملموسة للمعية الإلهية في واقع الحياة، وهناك لون آخر لها يمكن الإحساس بها بلطائف الروح لأنّها روحية بحتة، ولذلك فإنَّ استشعارها ذوقيٌّ يختلف من شخص لآخر، وهي منزلة روحية رفيعة، ممهّدة لمقامات الإحسان العليّة.

ولأهميّة ثمرتها وعلوّ شأنها فلابُدَّ لها من أسس صحيحة، ومعارج متناسقة يقطعها الذاكر لكي يصل إليها وينال بركتها وأنوارها، وهنا يقتضي المقال أنْ نتشرّف بذكر ما أورده حضرة شيخنا العلّامة الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه عن منازل الذكر ومقامات الإحسان:-

(أولاً: منازل الذِّكْر

المنزل الأدنى: ذكرٌ باللسان مع نوع وعي للذاكر في الفكر بإنه يذكر الله تعالى.

المنزل الأوسط: ذكرٌ باللسان والفكر، واللسان تابعٌ فيه للفكر الذاكر لله تعالى ذكرا قويا.

المنزل الأعلى: ذكرٌ بقوة الفكر فقط، وفيه يستغرق الفكر بالله تعالى إستغراقا.

وما سبق يؤدي إلى مقامات الإحسان الآتية:

* النهج الباديء

المثابة الأولى: ذكرٌ مع استشعار مراقبة الله تعالى، وهذا يثمر خشوعا وحضورا.

المثابة العليا: ذكرُ القلب ذكرا فصيحا اسم الجلالة: الله الله الله …..

* النهج الأقصى: وهو المقصد الأسنى: وهو أنْ تعبد الله تعالى كأنّك تراه، وفيه يُشاهد الروح بقوة القلب تجلّي الجلال الإلهي الأبدي السرمدي البديع، جلّ جلاله وعمَّ نواله) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي بتصرّف يسير ص289-302.

فإذا ما تمسّك الذاكر بالرابطة الشريفة مع شيخه المرشد الكامل رضي الله تعالى عنه وعنكم، ومضى في معراجه الروحي فإنّه سيشعر بتلك المعية الروحية المباركة، ويفتح الله جلّ شأنه عليه من نوره وبركاته ما هو به أعلم، وهذه الفيوضات والتجلّيات ذوقيّة كما أسلفت تُحسّ وتُرى بطاقة البصيرة، وهي عين القلب الروحي، تلك اللطيفة النورانية العظيمة، قال الحقّ جلّت قدرته:-

{— فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج: 46].

أمّا كيف يشهد العبد الذاكر ذكر الله سبحانه له تصديقًا للنصوص الشريفة السابقة وغيرها فهذا معجِزٌ لأنّه يخص الذات الإلهية.

وأرجو التدبّر في الآية الكريمة:-

{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [سورة المائدة: 116].

ومثيلاتها من النصوص المباركة.

أمّا أثر هذه المنازل والمقامات وأحوالها في الجانب التطبيقي في حياة المسلم فكثيرة جدًّا، فهي كفيلة بتغيير حياته نحو الأفضل إذ كلّما ازداد حضور الذاكر زاد اتّباعه وتأسّيه بحضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، فيغدو أقرب إلى حضرته حالًا وسلوكًا، وفي هذا كلّ الخير له ولأهله ومجتمعه الذي يعيش فيه، بل للعالم كلّه.

ولا ريبَ أنّ الذكر قبل ذلك حصنٌ منيع للمؤمن من كيد الشيطان، العدوِّ اللدود لأهل الإيمان، فقد أخبرنا الله عزّ وجلّ عن عمل الشيطان مع الغافلين عن ذكره سبحانه بقوله الكريم:-

{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [سورة المجادلة: 19].

وذلك حقًّا هو الخسران المبين.

بينما يستفيد الذاكر، المواظب على وظائف الذكر وأوراده طاقة إيمانية خاصة؛ حيث تنبعث الروح متوثبة في الصالحات التي يوقعها في الحياة، فتأتي ثمارها واضحة مباركة فاعلة بما يجعلها له ولمَنْ حوله أنفع وأجمل وأكمل.

ولمزيد اطلاع وفائدة أرجو مراجعة باب الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع المبارك.

وفّقكم الله تعالى وفتح عليكم أبواب القبول والترقي.

والله جلّ وعلا أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على خير مَنْ ذكره سبحانه، فنال بذلك فضله ورضوانه، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.