2020-07-29

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سيّدي وقرّة العين حضرة الشيخ نفعنا بعلومكم ودعواتكم وجعلنا في قلوبكم وتحت أنظاركم.     

سؤالي: شخص اشترى من آخر دارًا واتفقا وسلّمه جزءاً من المبلغ على أنْ يسلّمه المبلغ المتبقّي بعد كذا شهر ووافق البائع. والإشكال الآن حوّل مبلغ الإيجار (لأنّ البيت مؤجّر لشخص ثالث) فكلّ منهم يقول أنا أحقّ بالإيجار. فمَنْ هو أحقّ بهذا الإيجار البائع أم المشتري.

 

الاسم: محمد

 

الرد:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ

شكرًا لك على دعواتك المباركة، وحسن ظنّك، والتواصل مع هذا الموقع الكريم.

البيع في شرعنا الشريف ينعقد بلفظي الإيجاب والقبول، أي الاتفاق الحاصل بين البائع والمشتري في مجلس العقد، فإذا اتفقا وحصل بينهما الرضا، فقد انعقد البيع، فالدار للمشتري، والثمن للبائع، وليس للبائع أيّ حق في الدار ومرافقها ومنافعها، وحقٌ عليه أنْ يسلّمه بمرافقه ومنافعه للمشتري، وليس له من حقٍ إلا الثمن، ولابدّ للمشتري أنْ يؤديه إليه، فالآجار للمشتري الجديد من أول يوم تمّ فيه العقد.

يقول الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(فالعقد عند العلماء يشتمل على الإيجاب والقبول، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فكأنّ الله سبحانه وتعالى ينبّه عباده أنّ هذا الكلام الذي جرى في مجلس العقد من قوله: (بعتك، زوجتك، أجرتك) هذه كلها كلمات رضيها المسلمون، وتواطئوا واتفقوا عليها، فينبغي أنْ تكون عند المسلم ذمّة، وأنْ يكون عنده عهد ويفي بهذه الصيغ، فهو هنا عظم الصيغة وأعطى لها منزلة في الإسلام، فهذا الكلام ليس هدرًا، فالمسلم له ذمّة وله عهد ومنه الوفاء، ولذلك يلزم بالصيغة التي جرت بينه وبين الطرف الآخر، وإذا قضى القاضي أو أفتى المفتي فأوّل ما يلتفت إليه في البيع الصيغة، —) شرح زاد المستقنع (7/142).

وبما أنّ هذا الموقع الكريم إرشاديّ يهدف للارتقاء بالأمّة إلى آفاق سماحة وجمال وكمال شرعة الإسلام فإنّي أشير إلى ما يلي:-

الأوّل:- صبر البائع على استلام باقي الثمن، سواء كان الاتفاق بالتقسيط، أو بالآجل، فهو يجسّد السماحة والتفاعل مع إرشاد نبيّنا الأكرم صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، القائل:-

(رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

الثاني:- التذكير بما ورد في أحكام الإسلام المبلَّغَة من قِبَلِ سيّدنا رَسُول اللهِ خير الأنام صَلَّى اللَّهُ تعالى وسلّم عَلَيْهِ وآله وصحبه، كمثل ما يليق بهذا المقام، فانظروا يا رعاكم الله تعالى بعين العبرة والعظة والسموّ والإكرام لهذه القصّة الجميلة:-

(اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ. وَقَالَ الَّذِي بَاعَ الأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلاَمٌ. وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحِ الْغُلاَمَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.

وآجار الدار يشبه هذا الكنز، إلّا أنّ المدح من سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، جاء للورع في الترك، فكانت الثمرة عظيمة، أنتجت تقاربًا أُسَريًّا واستثمارًا إيجابيًّا.

والله تبارك اسمه أعلم وأحكم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على رسولنا المعظّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.