2-9-2020 م

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظكم الله ونفعنا ورفعنا ببركاتكم سيّدي شنو علاج ضيق الصدر

 

الاسم: شلال خليص شلال

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الميمون، ودعواتك الطيّبة سائلا المولى القدير سبحانه لك بمثلها وزيادة يحبها لعباده الصالحين إنّه سميع قريب مجيب.

قد تكون نسبة هذا الضيق طبيعية من باب الابتلاء أو مقتضيات هذه الحياة الفانية حتى لا نتعلّق بها، فالله سبحانه خلقها وجعلها موطن امتحان واختبار، وجعل سيّدنا آدم عليه السلام وذريته يحيون فيها مدّة قصيرة من الزمن ثمّ يتركونها، وينتقلون إلى الحياة الآخرة في رحلة المعاد إلى ربّ العباد جلّ جلاله وعمّ نواله، وحتى يحققوا الغاية التي خلقوا من أجلها حذرهم الشرع الحكيم ممّا يفسد عليهم قلوبهم ويشغلهم عن غايتهم التي خلقوا لتحقيقها، قال عزّ شأنه:-

{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [سورة غافر: 39].

وقال:-

{وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [سورة الضحى: 4].

وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد سبحانه.

وبالتالي إذا كانت هذه النسبة طبيعية فهي تصيب كلّ النّاس المؤمن وغير المؤمن الصالح والطالح بل لم ينجُ منها حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولهذا جعل الله عزّ وجلّ انشراح الصدر نعمة على حبيبه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وذكرها في القرآن الكريم من باب الامتنان والتذكير والتثبيت فقال جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [سورة الشرح: 1 – 3].

لكن إذا زادت عن حدّها فينبغي أنْ نبحث عن الأسباب، وقد تكون معنوية أو مادية.

فإذا كانت معنوية كالذنوب والمعاصي، فما يجده الإنسان من همّ وغمّ —- فإنَّها غالبا تكون من آثار المعاصي، قال الله جلّ وعلا:-

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [سورة طه: 124].

إذن فينبغي أنْ نسعى لمَحْوِها بالتوبة واللجوء إلى الله عزّ وجلّ.

فإنَّ الله سبحانه بحكمته وفضله قد جعل الرضا والفرح والسرور والنشاط والأنس وقرّة العين في طاعته وامتثال أوامره وهو أعظم سبب في طيب الحياة، فقال جلَّ جلاله وعمَّ نواله:-

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً —} [سورة النحل: 97].

وقال سبحانه:-

{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [سورة طه: 123].

وكذلك الإكثار من ذكر الله تعالى واستغفاره وتسبيحه والصلاة، ولقد وجه الله جلّ وعلا حبيبه المصطفى صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم بذلك فقال جلّ ثناؤه:-

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [سورة الحجر:97 – 98].

ولهذا كان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام إذا حزبه أمر صلّى.

عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.

وعليك كذلك بالأدعية المأثورة في هذا عن حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، ومنها قوله الكريم:-

(مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.

وعَنْ سيّدنا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(دَخَلَ رَسُولُ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي) الإمام أبو داود رحمه المعبود سبحانه.

ويقول ربنا جلّ شأنه:-

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].

وإذا كانت أساب الضيق مادية فيجب علينا أنْ نفقه الحياة في ظلّ الشريعة الغرّاء وترتيب الأمور المعاشية والارتقاء والتكامل الحضاري من حيث تنمية واستثمار الأرزاق والطاقات.

ثمّ إنْ لم يجد في ذلك علاجًا لسبب ما فلا بأس بمراجعة الأطباء.

ولا بُدّ أنْ نعلم أنَّ ما ينزل بالعبد من مصائب وهموم وأحزان فهو يؤجر عليه ويكفّر به من سيئاته.

يقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة المشاركة المرقمة (154) في هذا الموقع المبارك.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.