2021-01-06

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أمّا بعد أسأل فضيلتكم عن مدى صحة الحديث القدسي التالي:-

(يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُوداً، وإِنْ لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا).

هذا وصلّى الله على صاحب التاج والمعراج سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا، وكن بنا وبوالدينا وبمشايخنا وبالمؤمنين رؤفًا رحيمًا.

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

من دواعي فرحي متابعتكم لهذا الموقع الميمون، وأحبّ هذا التحرّي فيما يروى من الأحاديث النبوية الشريفة والأحاديث القدسيّة وخصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يزيدكم من فضله إنّه سبحانه جواد كريم.

أمَّا بعد:-

ففي الجواب على هذا السؤال محاور ثلاثة:-

الأوّل:- في تعريف الحديث القدسي:-

هو نوع من أنواع الحديث الشريف، وقد عرَّفه الشيخ محمد أبو شهبة رحمه الله الرحيم فقال:-

(الحديث القدسي، ويقال له أيضا: “الحديث الإلهي” ويقال له أيضا: “الحديث الرباني”…. [و] المراد به ما رفعه النبيّ -صلّى الله عليه وسلم- إلى الله تبارك وتعالى وسمّي حديثا لشبهه بالحديث النبوي في كون كلّ منهما مروي بالسند إلى قائله) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث (ص: 214).

فمن شروطه أنْ يكون مرويًا بالسند، وهذه الرواية التي أوردتموها في سؤالكم الكريم ممّا لم يروَ مسندًا في كتب السنّة المطهرّة فلا يسمّى حديثا قدسيًّا بل يعدّه علماء هذا الفنّ الشريف من قبيل الروايات الموضوعة.

 

الثاني: مصدر هذه الرواية:-

قد أورد بعضُ أهل العلم هذه الرواية في كتبهم بلا سند ولا نسبة لقائل معيّن، لكنهم عزوها إلى الإسرائليات التي تروى عن أهل الكتاب، منهم الحافظ ابن كثير رحمه القدير جلّ جلاله في تفسيره (7/397).

ومنهم الشيخ ابن تيمية رحمه الله سبحانه في مجموع الفتاوى (8/52).

وأوردها الإمام إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي في تفسيره ونسبه إلى كعب الأحبار رحمه الله تعالى نقلا عن التوراة الشريفة فقال:-

(وَمِنَ الكَلِمَاتِ الّتِي نَقَلَهَا كَعْبُ الأَحْبَارِ عَنِ التَّوْرَاةِ (يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ لِعِبَادَتِي فَلَا تَلْعَبْ …) فذكر الرواية. روح البيان (5/57).

ومع هذا فلا يمكن الجزم بأنَّها من التوراة الشريفة وذلك لعدم وجود سند صحيح إلى هذا العالم الكريم.

لكن يمكن أنْ نحملها على الإسرائيليات.

وهذه الأخبار لها ميزان دقيق في الشرع الشريف فقد قسمها أهل العلم رحمهم الله جلّ وعلا إلى ثلاثة أقسام:-

1- ما وافق قواعد الشرع الشريف، فهذا ممّا نقبله منهم.

مثاله: ما روي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

2- ما خالف قواعد الشرع الشريف كالقصص التي تتصادم مع عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا ممّا نردّه عليهم.

مثاله: ما روي عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-

(كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لِآدَمَ، فَتُعَبِّدُهُمْ لِلَّهِ، وَتُسَمِّيهِ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيُصِيبَهُمُ الْمَوْتُ، فَأَتَاهَا إِبْلِيسُ وَآدَمَ، فَقَالَ: إِنَّكُمَا لَوْ تُسَمِّيَانِهِ بِغَيْرِ الَّذِي تُسَمِّيَانِهِ لَعَاشَ، فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا، فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة الأعراف: 189، 190]) تفسير الطبري (10/624).

وهذا يخالف ما ثبت من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنَّه ينسب الشرك إلى النبيّ آدم وزوجته حوّاء عليهما السلام، وهم معصومون من الصغائر، فكيف ينسب لهم الشرك وهو أكبر الكبائر؟ فهذا ممّا نردّه ولا نقبله.

3- ما لم يوافق أو يخالف، فهذا ممّا نسكت عنه، فلا نصدّقه ولا نكذّبه.

مثاله: ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى فقال:-

(قَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} أَنَّهَا صَخْرَةٌ تَحْتَ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ، ذَكَرَهُ السُّدِّي بِإِسْنَادِهِ … وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَأَنَّهُ مُتَلَقًّى مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي لَا تُصَدَّقُ، وَلَا تَكْذَّبُ) تفسير القرآن العظيم (6/338).

وهذا القسم الأخير الذي قاله سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم وعلى آله وصحبه وشرّف وكرّم:-

(مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوْهُمْ، وَلَا تُكَذِّبُوْهُمْ، وَقُوْلُوْا: آمَنَّا بِاللهِ وُرُسُلِهِ، فَإنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوْهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوْهُ) الإمام أبو داود رحمه الله الودود عزّ شأنه.

المحور الثالث: في وزن هذه الرواية بميزان الشرع الشريف:-

احتوت هذه الرواية على فقرات ينبغي أنْ نزنها بميزان الشرع المبارك.

الفقرة الأولى: (يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب).

فأمَّا الشطر الأوّل منها فموافق لقوله سبحانه:-

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56].

وأمَّا الشطر الثاني ففيه النهي عن اللعب مطلقا، وليس هو كذلك بل أجازه الشرع الشريف في بعض الصور، منها:-

ما ورد عن أمّ المؤمنين السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت:-

(لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقالت أيضًا:-

(كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

ومعنى (يَتَقَمَّعْنَ) يَعْنِي يدخلن الْبَيْت ويتخبين فيه، ومعنى (فيسرِّبهن): يرسلهن ويأذن لهنّ بالدخول إليها. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/170) بتصرّف.

فيظهر أنَّ الشرع الشريف قد أجاز كثيرًا من الألعاب للترفيه عن النفس.

الفقرة الثانية: (وَقسَمتُ لَكَ رِزقَكَ فَلا تَتعَب).

وفيها شطران أيضا، أمّا الأوّل فهو ثابت بالشرع الشريف قال عزّ من قائل:-

{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [سورة الذاريات: 22- 23].

وأمَّا الثاني ففيه النهي عن التعب مطلقًا وهو ليس كذلك، فالشرع الشريف أمر ببذل الجهد لكسبه، قال تعالى:-

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [سورة الملك: 15].

أمّا المنهيّ عنه فهو تعب الفكر والنفس الذي ينبثق عن عدم ثقة بالرزّاق جلّ جلاله وعمَّ نواله القائل:-

{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ —} [سورة الإسراء: 31].

وبقيّة فقرات الرواية موافقة للشرع الكريم.

وقولُ حَضْرَةِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام الآتي يغني عنها:-

(إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) الإمام الترمذي رحمه الله العليّ جلّت صفاته.

والله تبارك اسمه أعلم.

وأفضل الصلاة وأتمّ السلام على مسك الختام، وبدر التمام، ونور الظلام، سيّدنا محمّد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام، ومَنْ تبعهم بخير إلى يوم الزحام.