2021-01-08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله تعالى لكم الصحة والعافية وتمام العافية والتمكين لخدمة دينه وعبادة قربان سؤال خادمكم: رجل والده مسجون ومحكوم بالإعدام نسأل الله تعالى السلامة وطلبوا منه مبلغًا كبيرًا جدًّا لإخراجه من السجن، هل يحقّ له أنْ يأخذ قرضًا ربويًّا لإخراج والده، ويعد ضرورة في حالتين:

إذا كان بريئا أو مجرمًا؟

حفظكم الله تعالى قربان.

 

من: ثامر

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، وعلى دعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خير، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه مجيب قريب، وبعد:-

فمن المؤسف أنْ يضطرّ المسلم للتفكير بالقرض الربويّ في مجتمعه الذي من المفروض أنْ تسود فيه هدايات التضامن والتكافل والمعونة تطبيقًا واقعًا في الحياة، فالمسلمون إخوة قبل أنْ تجمع بينهم وشائج القرابة والرحم، قال عزّ من قائل:-

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ —} [سورة الحجرات: 10].

ولمزيد توضيح أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (948، 1726، 2055، 2361) وما فيها من إحالات في هذا الموقع الأغرّ.

وبعد الاطلاع على الأجوبة أعلاه تتبيّن حرمة الاقتراض بالربا إلّا للضرورة القصوى.

هذا في حال كون السجين بريئًا فيرقى الفعل إلى دفع الظلم وإحياء النفس التي ستُزهق ظلمًا، قال عزّ شأنه:-

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [سورة المائدة: 32].

أمّا إذا كان الرجل مجرمًا -نعوذ بالله تعالى- فإنّ السعي لإخراجه وتخليصه من العقوبة بالربا فيه منكرات كثيرة لا تخفى، وكلّ ذلك ممّا يغضب الله جلّ وعلا، فإنّ نصر الظالم على المظلوم، وتدليس الدعوى، وطلب شهود الزور، ودفع الرِّشا لتغيير مسار القضية، وما أشبه ذلك محرّمٌ يُدخلُ صاحبه في عداد المُعينين على الإثم والعدوان، قال الحقّ جلّ جلاله:-

{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة: 2].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

ومَن ارتكب أيّ ظلم فعلى أهله أنْ يُذكّروه بالله جلّ في علاه، ويُشجعوه على التوبة النصوح.

وعليه أنْ يُجاهدَ لإبراء ذمّته، فإنْ كانت جريمته القتل -مثلًا- واستطاعت قبيلته أنْ تدفع الدِّيَّة، وتُصالح أهل القتيل فذلك حسن، وهنا يجوز الاقتراض بالربا ضرورة في حالة فقدان الطرق المشروعة كما أسلفتُ، ليبقى بعد ذلك حقّ الدولة، والمحكمة قد تخفّف الحكم عنه حال المصالحة ودفع الدِّيَّة، فإنْ أمضتْه فلا يجوز التحايل، ويجب الاستسلام لقضاء الله عزّ وجلّ وقدره، عسى أنْ يكون الحكم كفّارة له.

والله تباركت أسماؤه أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.