13-1-2021

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مرحبا سيّدي حضرة الشيخ

رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم ونفع بكم وألبسكم لباس العافية سؤالي هو:-

هل هناك حدّ فاصل بين الحقيقة والتخيّل في العمل الروحي يمكننا من خلاله معرفة ما إذا كان ما نراه أو ما نشعر به أثناء الرابطة الشريفة هو من فضل الله عزّ وجلّ علينا أو من نسج خيالاتنا ومن الشيطان؟

 

من: سائلة

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله سبحانه خيرًا على هذه الدعوات الطيبة المباركة.

لقد أحسنتِ بسؤالك هذا؛ إذ على المرء أنْ يحدّد الخطأ من الصواب، ويتبيّن الحقيقة من الخيال، ولا ينساق مع كلّ وارد يرد على قلبه، فمعرفة هذه الأمور من الفقه في دين الله جلّ اسمه.

الحقيقة: لفظ منسوب للحقّ وهو الشيء الثابت، وهو على وزن فعيلة، يدلّ على تحقق الصفة في الموصوف، فيُراد إبرازها وإظهارها بأبهى كمالاتها، وكلّ أمر يطابق الواقع فهو حقّ، سواء ثبت لك، أو لغيرك، أو ثبت لغيرك عليك.

أمّا الخيال: فهو مشتق من خُيِّلَ إليه أو له أنّه كذا: أي: توهّم وظنّ أنّه كذا، وهو إحدى قوى العقل التي أنعم الله الكريم عزّ كماله بها على بني البشر، حيث يستطيع الإنسان من خلالها الابتكار وتصوّر الأشياء وتمثّلها، لكن يجب أنْ تستثمر هذه القوّة في موضعها الذي خلقها الله جلّ جلاله من أجلها.

فالواردات ليست مقصد العبد، بل عليه أنْ يلقي نفسه بأعتاب خالقه جلّت ذاته، فيزنها بميزان الشرع الشريف.

فالوارد إذا ساقك إلى الطاعة أكثر فهو وارد حقيقي؛ لأنّه نعمة إلهية، ومدد ربانيّ داخل في قوله عزّ شأنه:-

{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة فاطر :2].

فالفتح عامٌّ غير منحصر بصورة لأنّه من فضل الله تبارك اسمه.

قد يتجسّد في فَهْم جليّ، أو هدايةٍ، أو خيراتٍ وبركاتٍ.

وبالعكس إذا ساقك الوارد إلى المعصية أو التثبّط والتقاعس والتكاسل، فهو من الخيال والوهم وآثار النفس الأمّارة.

وممّا يجسّد هذا المعنى العظيم ما حدث للعالم الجهبذ القدوة سيّدنا الشيخ عبد القادر قدّس الله تعالى روحه في حكايته المشهورة حيث قال:-

(كنت مَرَّةً فِي الْعِبَادَةِ فَرَأَيْت عَرْشًا عَظِيمًا وَعَلَيْهِ نُورٌ فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ الْقَادِرِ أَنَا رَبُّك وَقَدْ حَلَلْت لَك مَا حَرَّمْت عَلَى غَيْرِك. قَالَ: فَقَلَتْ لَهُ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ اخْسَأْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. قَالَ: فَتَمَزَّقَ ذَلِكَ النُّورُ وَصَارَ ظُلْمَةً وَقَالَ يَا عَبْدَ الْقَادِرِ نَجَوْت مِنِّي بِفِقْهِك فِي دِينِك وَعِلْمِك وَبِمُنَازَلَاتِك فِي أَحْوَالِك. لَقَدْ فَتَنْت بِهَذِهِ الْقِصَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا. فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ عَلِمْت أَنَّهُ الشَّيْطَانُ؟ قَالَ بِقَوْلِهِ لِي “حَلَلْت لَك مَا حَرَّمْت عَلَى غَيْرِك” وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُنْسَخُ وَلَا تُبَدَّلُ وَلِأَنَّهُ قَالَ أَنَا رَبُّك وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ أَنَا اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا أَنَا) مجموع الفتاوى للشيخ لابن تيمية رحمه الله تعالى (1/172)، ورواها بلفظ مقارب ابن العماد رحمه الله عزّ وجلّ في كتابه: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/333-334).

ولهذا يجب على السالك أنْ يعرضها على مرشده إنْ لم يَتَبَيَّنْ وجه الحق فيها.

ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (422، 1232، 1601) في هذا الموقع الميمون.

والله جلّت ذاته أعلم.

وصلّ اللهمّ وسلّم على مَن اتباعه طريق النجاة، وهديه مقصد الدعاة، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.