2021-02-20

السؤال:

السلام عليكم سيّدي الحبيب ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله العظيم لحضرتكم تمام الصحة والعافية وأنْ يحفظكم نورًا للنّاس أجمعين.

سؤالي سيّدي الحبيب هو: ما هو رأي حضرتكم بالذي يفسّر القرآن الكريم، والسنّة النبوية الشريفة بنظريات الفيزياء والكيمياء وغيرها من هذه العلوم.

خصوصًا إذا كان غير متخصّص ودارس لها. فإنّه لا يخفى على شريف علمكم أنّ هذه العلوم تؤخذ عن طريق الدراسة الأكاديمية وبعد مشوار طويل.

هل يصح مثل هذا الفعل؟

حفظكم الله تعالى سيدي الحبيب.

 

من: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

قبل الجواب عن سؤالكم الكريم يجب أنْ نفرّق بين التفسير لكتاب الله جلَّ جلاله والفهم منه.

فالتفسير محاولة لبيان مراد الله سبحانه في كتابه العزيز، وله مصادر أصيلة وقواعد يجب أنْ تراعى، فمصادره الأصيلة:-

أولا: بيان القرآن الكريم بالقرآن الكريم.

قال تقدست أسمائه:-

{ألر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 1].

ثانيا: بيان القرآن الكريم بكلام حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وأصحابه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا.

قال جلَّ من قائل:-

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل: 44].

ثالثا: بيان القرآن الكريم بما يفهم من اللغة العربية ودلالتها.

قال سبحانه:-

{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [سورة الشعراء: 192 – 195].

وبقيّة المصادر وقواعد التفسير تأخذ من كتب علوم القرآن ككتاب الإتقان للإمام السيوطي عليه الرحمة والرضوان.

وأمّا الفهم من كتاب الله عزّ وجلّ فهو الغوص في دلالة النصوص الشريفة بما يفتحه الله سبحانه على المتدبّر في كلامه، وقد يسمّيه بعض أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم الاستنباط كما قال الباري عزّ شأنه:-

{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ —} [سورة النساء: 83].

وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-

(قُلْتُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ:

لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وهذا الفهم في كتاب الله تعالى أعمُّ من أنْ يكون في علم من العلوم فإنّ القرآن الكريم تبيانٌ لكلّ شيء كما قال الجليل جلَّ في علاه:-

{— وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل: 89].

ففي الكتاب الكريم بيان لكلّ العلوم (إنسانية، طبيعية، ملكوتية) قال الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه:-

(العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها، والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن ومجرد ظاهره التفسير لا يشير إلى ذلك بل كلّ ما أشكل فيه على النظّار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بِدَرْكِهَا) إحياء علوم الدين (1/289).

وقال حضرة شيخي وأستاذي ومَنْ إليه إسنادي الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:-

(وَالقُرْآنُ المَجِيْدُ خَزَائِنُ وَكُنُوْزٌ مِنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَالهِدَايَةِ لَا تَنْفَد) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي ص105.

 

وقال أيضًا:-

(القُرْآنُ عَظِيْمٌ مَجِيْدٌ حَقًّا. فَكَمْ مِنْ عِلْمٍ هُوَ لَهُ المَصْدَرُ وَالمَنْشَأُ، وَكَمْ مِنْ عِلْمٍ هُوَ البَاعِثُ عَلَى تَطَوِّرِهِ وَازْدِهَارِهِ) مجمع الأشتات- مقدمة المقتطف ص283.

وسؤالكم الكريم أقرب ما يكون إلى هذا القسم منه إلى التفسير لكن يجب أنْ نعرف أنَّ هذا الفهم له ضوابط يجبُ أن تراعى فمنها:-

1- أنَّه لا يجوز الكلام في القرآن الكريم ولا في بقية العلوم بغير علم وفهم صحيح لقوله عزّ من قائل:-

{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [سورة الإسراء: 36].

وقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) الإمام الترمذي رحمه الله العليّ.

2- أن تكون هذه المعاني المستنبطة مما يفهم من دلالة اللفظ القرآني دلالة معتبرة بدون تعسف ولا ليٍ لأعناق النصوص.

3- أن يكون ما يتكلم عنه مقطوعا به عنده وليس من الأمور المظنونة أو الموهومة كيلا يتبيّن خطؤها في المستقبل فيَنْسِبَ العداةُ الخطأ إلى الكتاب العزيز.

4- أنْ لا يعارض بكلامه تفسيرا ثابتا عن حضرة النبي صلوات الله جلّ وعلا وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أو عن الصحابة، أو عن أهل العلم رضوان الله تعالى عنكم وعنهم.

وأمّا ما ذكرتم من أنَّ المتكلّم لم يدرس هذه العلوم فأنَّ الأصل في كل علم أن يؤخذ بالتعلم والترقي في سُلَّم التعليم كما قال عليه أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أهل الفضل العظيم:-

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) الإمام الطبراني رحمه الله عزَّ وجلَّ.

لكن قد يفتح الله الفتاح سبحانه لعبدٍ من عباده ويهبه فهما صحيحا دون سابق تعلم لما فهمه وهذا لا مانع منه إنْ وافق فهمه أصول الشريعة الغرّاء، والمحجّة البيضاء كما قال عزّ شأنه حكاية عمّا وَهَبَهُ لسيدنا الخضر عليه السلام:-

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [سورة الكهف: 65].

فهذا الذي ذكرتموه إن راعى هذه الضوابط والتزم أصول الشرع الشريف فأرجو أنْ يكون فعله صحيحًا، وإلّا فعليه أنْ يراجع نفسه كيلا يقع في القول بغير علم على الله جلّ وعلا وعلى نبيّه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام نعوذ بالله سبحانه من ذلك.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة الرسول المكرَّم، وعلى آله وصحبه وشرّفَ وكرّم.