9/10/2010
السؤال:
سيدي فضيلة الشيخ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو أن تكون في تمام الصحة والعافية
سيدي الموقر:
وأنا جالس لدى أحد علماء الدين سمعته يقول: إن رحمة الله إذا نزلت فهي خاصة وإن عذاب الله إذا نزل فهو يعم، أي إن رحمة الله إذا نزلت على فلان من الناس فهي له، وإذا نزل غضب الله ومقته وعذابه بسبب عمل فلان من الناس فإنه يعم على كل من حوله، وقد بين أن هذا سبب خراب بلاد المسلمين في العراق بسبب أعمال السوء من قبل كثير من الناس فجاء غضب الله. وهو يقول كلامه هذا خطر ببالي قوله تعالى: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فمن الظاهر أجد تناقضاً واضحاً ولكن لا بد أن ذلك العالم قد استند على شيء أو قد يكون للآية تفسير آخر أو أو..
فأرجو من حضرتك أن توضح لي المفهوم الصحيح.
الاسم: ياسر الكبيسي
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
بداية أنصحك عزيزي السائل والمسلمين جميعاً في مثل هذه الحالات أن تستفهموا من المتحدث نفسه ما أشكل عليكم فهمه من المسائل مع التزام الأدب الشرعي المبني على النية المخلصة للتعلم مع احترام العالم، قال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) العسكري والسيوطي رحمهما الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام: (ليسَ مِنَّا مَنْ لمْ يرحَمْ صغيرَنا ويُوَقِّرْ كبيرَنَا ويَعْرِفْ لعَالِمِنَا حَقَّهُ) أحمد والطبراني رحمهما الله تعالى، وبالمقابل أنصح نفسي وأخواني من خدام الشرع الشريف بسعة الصدر وقبول المراجعة بل حتى النقد إذا كان بنّاءً وفي حدود ما ذكرت من الآداب.
وفي جواب هذا السؤال أقول وبالله سبحانه التوفيق: إن الله تعالى حرّم الظلم على نفسه حيث قال جل وعلا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} فصّلت 46، وقال تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} هود 117، وقال سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) مسلم رحمه الله تعالى، فلا يعقل أن يعذب الله جل جلاله أحداً أو أمة بسبب جرم ارتكبه غيره أو غيرهم لأنه ينافي عدله سبحانه المقرر في النصوص السابقة ومثيلاتها ويناقض إخباره جل في علاه بأنه حين عذب بعض الأمم نجى أهل الصلاح منهم كما في قوله عز وجل {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} الأعراف 165، بل إن الله تبارك وتعالى سبقت رحمته لا غضبه فقط بل عدله أيضاً -مع أن عدله من رحمته- فقال جل في علاه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} النحل 61، وقال عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} الشورى 30، فانظر رعاك الله تعالى كيف أن عدل الله عز وجل اقتضى محاسبتهم لأنهم عرضوا صفحتهم لعقوبته ومع ذلك انهلت سحائب رحمته سبحانه وتعالى فترك مؤاخذتهم، هذا بالنسبة لمن يستحق العقوبة بما كسبت يداه يعفو عنه أو يؤخر عذابه لعله يتوب ويرجع فكيف يعقل أن يعاقب التقي النقي الملتزم ذلك العقاب المفهوم مما أوردت في سؤالك من كلام المتحدث أن العذاب يعم والرحمة تخص؟ ألا يناقض هذا كل ما تقدم وأمثاله؟
ولكنا حين نرى أن العذاب يقع على البريء فهذا لا يخلو مما يلي:
1- أننا نرى ظاهر هذا المعذب والله سبحانه وتعالى يعلم باطنه وما في باطنه يوجب عليه العقاب.
2- أو يكون هذا البريء ممن يقرّ الظلم ولا ينكره فيكون مستحقاً للعذاب (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
3- فإذا نزل البلاء على نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو ممن لا يشك في صلاحه بإجماع الأمة فهذا من باب أن الله تبارك وتعالى اختارهم قدوة لعباده، فهم بقوة إيمانهم ويقينهم وحسن حالهم مع ربهم سبحانه يتحملون ويصبرون بل ويستبشرون، وبفعلهم هذا يعلمون الناس تلك الفضائل وتطبيقاتها، فيكون البلاء في حقهم سمواً ورقياً.
4- أما إذا نزل البلاء بمن هم دون ذلك فيكون لهم تطهيراً، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) الترمذي رحمه الله تعالى.
5- أن يكون الأبرياء قلة والخبثاء –حاشاكم– كثرة فحينئذ يعمهم العذاب ويبعثون على نياتهم كما جاء في جواب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأمنا أم حبيبة رضي الله عنها (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وفي الحديث الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وعلى ضوء هذه الهدايات نفهم قول الله تبارك وتعالى {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال 25، وأما الآية الشريفة التي تذكرتها في المجلس وهي قول الله تعالى {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} الأنفال 156، فتمامها يبين معناها، لأن الرحمة المذكورة لا تكتب للجميع بدليل قوله تعالى في نفس الآية {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.
وملخص القول في هذا الجواب هو أن الله تبارك وتعالى يعاقب المسيء أو يعفو عنه ويحمي التقي وينجيه إلا إذا اقتضت حكمته فهو سبحانه وتعالى أعلم بعباده، والنصوص التي يفهم منها أن العذاب يعم فيها تأكيد على التخوف من التقصير في جنب الله تبارك وتعالى.
هذا والله سبحانه وتعالى أعلم.