20/10/2010
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي حضرة الشيخ سؤالي هو: لماذا ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم سيدنا موسى عليه السلام أكثر من كل الأنبياء، بل وكان ذكره حتى أكثر من ذكر من أنزل عليه القرآن سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأكثر نبي ذكرت قصصه واسمه في القرآن هو نبي الله موسى عليه السلام، كما أن القصة الواحدة قد تتكرر أكثر من مرة بنفس وقائعها، ففي القرآن كل شيء فيه حكمة فأردت أن أعرف لماذا خصّ نبي الله موسى ولماذا كثرت قصص دعوته وتكررت وذكرت بتفاصيل دقيقة فأرجو أن توضح لي ذلك مع جزيل الشكر والتقدير.
الاسم: أبو همام
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ذكرت قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام أكثر من مرة في القرآن الكريم لعدة أسباب، منها أن هذه القصة تحمل كثيراً من الأحداث والمعاني، فإن معظم قصص الأنبياء عليهم السلام اقترنت مع أناس يعترفون بوجود إله ولكنهم يشركون معه، أما في حال سيدنا موسى عليه السلام فلم يكن فرعون يعترف بإله ولا خالق بل هو ادعى الألوهية والربوبية كما ذكر القرآن الكريم {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} القصص 38، وكذلك {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} النازعات 24، ورسالة سيدنا موسى عليه السلام حملت شريعة شبه كاملة ولذلك قالت الجن: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} الأحقاف 30، فهم قالوا (من بعد موسى) ولم يقولوا من بعد (عيسى) مع أن سيدنا عيسى عليه السلام هو الذي كان قبل بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الناحية الزمنية المباشرة، ولكن قول الجن يدل على أن كلتا الرسالتين تحملان شريعة. وتكررت قصة سيدنا موسى عليه السلام بكثرة للتأكيد على أن قضايا هذه الأمة لها ارتباط مباشر ببني اسرائيل، فمؤامراتهم لم تنقطع منذ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، فمن ذلك ما ذكرته السير من تحذير بحيرى الراهب لأبي طالب حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم (فأقبل على عمه أبي طالب فقال له ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم. فأسرع به إلى بلاده) سيرة ابن هشام رحمه الله تعالى، وإلى يومنا هذا يحاربون أمة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وإلى قيام الساعة. وتكرار القصص في القرآن الكريم بصورة عامة لها حِكم منها التذكير وخاصة في مناسبة موضوع السورة، ومنها أن كل مرة تذكر فيها القصة تحمل جانباً معيناً تلفت نظر الناس إليه، وهذا لا يسمى تكراراً وإنما أسلوب لتجلية جانب آخر لم يبين في مرة سابقة، على أن التكرار ليس معيباً دائماً فإنه قد يأتي لمعاني لا تخفى على أهل الاختصاص، وهذا ميدان خصب لإعمال العقول فيه وهذا بحد ذاته نفع كبير {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} سورة يوسف عليه السلام 76. أما لماذا لم يذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً فإن خطاب القرآن العظيم كله موجه إلى حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم، وهو ذكر له ولأمته عليه الصلاة والسلام {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} الزخرف 44، وذكر القصص فيه إنما لتبيان سيرة الأمم السابقة واستنباط الدروس والعبر ليستفيد منها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكذلك أمته، كما في قوله تعالى {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} هود 120. هذا ما تبين لي ويبقى الميدان مفتوحاً لأهل الاختصاص لاستنباط حكم أخرى…
والله سبحانه وتعالى أعلم.