25/10/2010
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وبياكم وجزاكم الله خيراً.
سمعنا جميعاً أن بين حين وآخر يتم مباهلة بين شخصين عبر الأقمار الصناعية في بلدين مختلفين، ما حكم هذا العمل؟ وهل يقع على الكاذب منهم العذاب في الدنيا سريعاً أم ليس بالضرورة ربما يتأخر العذاب؟ وما فائدة هذه المباهلة؟
أثابكم الله، وشكراً.
الاسم: عبدالحق النقشبندي
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
بارك الله تعالى فيك وجزاك خيراً، وردت المباهلة في القرآن الكريم في حادثة واحدة تخص نصارى نجران فيما عرف عنهم من الغلو في سيدنا عيسى عليه السلام، فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بدعوتهم للمباهلة فقال جل وعلا: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران 61، فتدارس النصارى الأمر بينهم وقال قائل منهم: (لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم) ابن كثير رحمه الله تعالى، فانصرفوا خوفاً من عاقبة الأمر عليهم.
والذي أراه –والله سبحانه وتعالى أعلم- أن المباهلة خاصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وذلك لما يلي:
1- أن أمر المباهلة جاء من الخالق سبحانه وتعالى بشكل مباشر عبر القرآن العظيم وفي حادثة محددة.
2- لم يقم حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بمباهلة أي فئة أخرى -كاليهود مثلاً- والذين كانوا يعيشون في المدينة المنورة. والمعلوم أن السنة المؤكدة ما واضب على فعلها عليه الصلاة والسلام، بينما المباهلة كانت لمرة واحدة ولم تتكرر.
3- لم يفعلها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم مع حرصهم على اتباع هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم ومع توفر الظروف المشابهة حيث زادت الغزوات والاختلاط مع أهل الكتاب.
4- كذلك لم يستعملها المسلمون طيلة الفتوحات التي استمرت أكثر من ألف سنة، ولم تخرج خياراتهم عن ثلاث: إما الإسلام أو الجزية أو الحرب، ولم يكن هناك دعوة للمباهلة إن كانت سنة.
5- لقد أمر الله تعالى عباده أن يدعوا الناس إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة في قوله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل 125، ولم يرشدهم إلى المباهلة..
6- كان رد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حينما طُلب منه أن يدعو على المشركين قوله: (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وهذا يبين لك نهج خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم الذي بعث رحمة للعالمين.
7- لقد علم نصارى نجران أن عواقب مباهلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مؤكدة كما هو دعاؤهم إذ أن ذلك من تمام معجزاتهم وخصوصياتهم عليهم الصلاة والسلام لأنها بأمر الله عز وجل ويدخل في ذلك رؤاهم التي تعتبر وحياً وأمراً من الباري عز وجل خلافا لعامة الناس الذين لا يأمنون مكر الله سبحانه أو عاقبة ذنوبهم وتقصيرهم مع خالقهم، فمن ذا الذي يستطيع أن يضمن عدم ابتلاء المباهل (صاحب الحق) بمرض أو حادث فيؤدي ذلك إلى افتتان الناس واعتقادهم أن الحق مع الطرف الآخر!!
8- إن المباهلة المذكورة شرعت مع غير المسلمين، فبأي دليل تكون بين المسلمين؟ مع ما فيها من دعاء يتنافى والرحمة والمودة المرجوة بين المسلمين كما وصفها رب العزة جل جلاله وعم نواله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} المائدة 54، وضرب حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لها المثل بقوله (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
9- ترك المراء من أسباب رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده كما ورد في حديثه عليه الصلاة والسلام (من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها) أبو داود والترمذي وآخرون رحمهم الله تعالى.
وقد لاحظت أن الذين يسوقون ما يسمونه -أدلة جواز المباهلة- يقولون: (جرت العادة أن يهلك الذي على الباطل في شهرين أو سنة) فأين الدليل على هذا؟
وأخيراً أقول للذين يروجون لذلك: تجنبوا أن يصيبكم قول حضرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء. فقيل: وما هن يا رسول الله؟ -ثم ذكر- ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء، أو خسفاً، ومسخاً) الترمذي رحمه الله تعالى.
هذا والله سبحانه وتعالى أعلم.