14/12/2011
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله سيّدي حضرة الشيخ سعد الله، أسعدكم المولى تعالى وقرّ أعينكم بما تُحبون، وأسعدنا بأنْ يجعلنا تحت أنظاركم.
السؤال
ما حكم الاستنجاء بعد الاستيقاظ من النوم، هل يدخل محلّ الاستنجاء أم يبدأ بغسل الأعضاء من الوجه واليدين وغيرها مباشرة.
الاسم: محمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررتُ بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وشكرًا جزيلًا على تبريكاتكم اللطيفة ودعواتكم المباركة، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
الجواب باختصار:-
الأحوط هو الاستنجاء عند الاستيقاظ من النوم قبل الوضوء خاصة إذا نام الإنسان لفترة طويلة أو سبق نومه طعام كثير.
التفصيل:-
قال الحقّ جلّ جلاله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ —} [سورة المائدة: 6].
وهذه بعض آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة:-
ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله جل في علاه:-
(وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ؛ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، إنَّمَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا.» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إذَا قُمْتُمْ مِنْ النَّوْمِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِالِاسْتِنْجَاءِ هُنَا نَصٌّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا نَجَاسَةَ هَاهُنَا) المغني (1/111).
وقال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الاسْتِنْجَاءُ مِنَ الرِّيْحِ وَالنَّوْمِ) المجموع (2/96).
لكن بعض السادة الحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم قالوا بمشروعية الاستنجاء كما جاء في كتاب الفروع للإمام ابن مفلح (1/137)، الإنصاف للإمام الماوردي (1/90 – 91) رحمهما الله تبارك اسمه.
والذي أرجحه هو ما ذهب إليه الجمهور رضي الله سبحانه عنهم وعنكم من أنّه لا يجب، لكن يستحسن احتياطا خاصّة في هذا الزمان لأنّه ظهرت أمراض لم تكن في أسلافنا من قبل، منها أمراض الجهاز الهضمي، والقولون، وغيرها من أمراض العصر، كذلك كثرة وتنوّع الأكل عند الناس، وكثرة النوم لفترات طويلة، وقلة الحركة، كذلك كبار السنّ وما يرافق حالهم من ضعف الأعصاب وأجهزة الجسم بشكل عام، فهذا كلّه يؤدي إلى كثرة الريح فتضغط على الطعام فتكون مظنّة لخروج شيء من السبيل فيحصل نوع من السيلان، فلذلك أوصي بالأخذ بالأحوط وهو الاستنجاء عند الاستيقاظ من النوم قبل الوضوء لأنّ العبادات مبنية على الاحتياط.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.