15/12/2011
السؤال:
السلام عليكم شيخنا أدامكم الله خدمة لديننا وأكثر من أمثالكم، وبعد:
أفطرت امرأة بعذرها الشرعي 6 أيام، وهي اعتادت أن تصوم كل عام 10 أيام لأنها تأخذ بالأحوط برأي الجمهور -وهو أكثر الحيض-، وهناك يومان قالت سأعيد صيامهما لأنها عند الاستنشاق في الوضوء شكت بوصول الماء للحلق، ومرة كانت تغتسل واضعة قطنة في أذنها خوفاً من وصول الماء وإذا بها أخرجت القطنة مبتلة، هذا وطبعاً صيام الست من شوال، فهكذا أصبحت ثمانية عشر يوماً.
فهل تفيدنا بذلك جزاكم الله خير الجزاء
الاسم: الراوي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جزاك الله تعالى خيراً على دعائك ولك بمثله.
أول ما يتبادر إلى ذهن قارئ السؤال هو ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى من النهي عن التشدد في الدين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} المائدة 77، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ما ينسخه، والنهي الوارد في هذه الآية الكريمة لم يُنسخ في شرع الإسلام، بل أُكّد وذلك بنصوص كثيرة، منها حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (هلك المتنطعون -قالها ثلاثاً-) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، والتنطع: هو التشدد في غير موضعه، وقد أجمع شرّاح الحديث على أن أكثر ماعناه الحديث الشريف هو التنطع في الدين، لأنه قد يؤدي إلى تشديد الله عز وجل كما أخبر بذلك سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، فالأخت المذكورة ليست مطالبة إلا بقضاء أيام حيضها الحقيقية (ستة أيام)، ولا أعرف من أين أتت بأن رأي الجمهور هو الأخذ بالأحوط وصيام عشرة أيام؟ فإن الحد الأقصى المذكور إنما يقصد به إذا تجاوز الدم عشرة أيام فلا يعتبر حيضاً وإنما استحاضة، وكذلك لا يجب أن تعيد صيام اليومين بحجة أنها شكت بوصول شيء من الماء أثناء استنشاقها، فهذه من الوساوس المذمومة والتي ليس لها محل في الشرع الشريف، لأنه شك وهو لا يزيل اليقين، وكذلك لا يجب عليها وضع شيء في أذنيها أثناء الاستحمام لأن دخول شيء في الأذن لا يفسد الصوم حتى لو كان بصورة متعمدة ما لم يتيقن بوصوله إلى الجوف، وهذا لا يتصور في مسألة الغسل.
وخلاصة القول أنها غير مطالبة بصيام سوى الستة أيام، وهي أيام حيضها الحقيقية، أما إذا أرادت صوم الست من شوال فإن كان في وسعها أن تقضي دينها ثم تصوم سنّة شوال فهو الأفضل عملاً بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وأما إذا لم تستطع فلا بأس في أن تصوم الست من شوال لأن ظرفها مقيد بهذا الشهر، ثم تقضي دينها، إذ ينتهي ظرفه بحلول شهر رمضان من السنة القادمة.
وأخيراً أنصحها بالابتعاد عن هذا التشدد، وأن تسأل أهل العلم، فإن الذي تقوم به ناتج بلا شك عن ابتعادها عن مصادر العلم الشرعي، فذهبت تفتي نفسها وتظن أن هذا أحوط لدينها، قال جل وعلا: {…فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل 43.
والله سبحانه وتعالى أعلم.