30/1/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
سيدي حضرة الشيخ: هل يجوز شرعاً تبادل التهاني بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية؟
أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً.
الاسم: سؤدد
الـرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته،
يكون الجواب على هذا السؤال من شطرين، الأول: تهنئة أهل الكتاب بمناسبة أعيادهم ومنها رأس السنة الميلادية، والشطر الثاني: التهنئة بهذه المناسبة فيما بين المسلمين.
أما الشطر الأول من الجواب: فخير ما استهل به هو قول الله جل جلاله وعم نواله:-
{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة الممتحنة: 8-9]، فهاتان الآيتان الكريمتان صنّفتا أهل الكتاب إلى فئتين أولاهما (المعاهدون وأهل الذمة) والثانية (المحاربون)، فأما تهنئة أهل الفئة الأولى فلا أرى فيها بأساُ لأنها من برّهم المأمور به من قبل الخالق جل جلاله في الآية الثامنة المتلوّة آنفاً، خصوصاً إذا مازج التهنئة الدعاء لهم بنية هدايتهم دون جرح مشاعرهم كمثل قولنا لهم (عيدكم مبارك)، (رزقنا الله جميعاً حب سيدنا عيسى عليه السلام وحسن اتباعه)، وقد سُمّوا أهل الذمة لأنهم في ذمتنا، والمحافظة عليهم واجب مفروض على ولي أمر المسلمين وعمومهم كل حسب مسؤوليته، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:-
(ألا من ظَلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَه أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا خَصمهُ يومَ القيامةِ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه ، وقد وردت أخبار ساداتنا الخلفاء الراشدين ومن تبع نهجهم رضي الله عنهم أجمعين بما يؤيد الالتزام بهذا التوجيه النبوي الشريف، وقد حاول بعض المغرضين أن يدخلوا من باب الجزية ليصوّروا أن الإسلام يهين رعاياه من أهل الكتاب وأغفلوا حقيقة أن ما يأخذه نظام الحكم الإسلامي هي تكلفة –إذا صح التعبير- حمايتهم من الأخطار الداخلية والخارجية، وقد يشبه البدل النقدي عن الخدمة العسكرية الذي تأخذه بعض الدول ممن لا ينخرطون في هذه الخدمة، فكما هو معلوم أن أهل الكتاب لا يكلفون بالتجنيد وما يتبعه من خوض حروب الدولة الإسلامية حتى لو كانت دفاعاً عن هذه الدولة ورعاياها، وتجدر الإشارة إلى ما يتناقله بعض الناس من فتاوى تحرم تهنئة أهل الكتاب في هذه المناسبات ويستدلون بأحاديث وآثار أنزلوها في غير محلها ومن ذلك قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:-
(…فإذا لَقِيتُمْ أحَدَهُمْ- اليَهُود وَالنَّصَارَى- في طَرِيقٍ، فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ) الإمام مسلم رحمه الله جل وعلا، ففي شرح هذا الحديث قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى أن المقصود إذا التقى المسلم مع غيره في طريق لا يسع إلّا أحدهم فالأفضلية للمسلم لما خصه الله تعالى من فضل وتكريم في قوله:-
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة :الحجرات 13]، ويحمل الحديث كذلك على المحاربين منهم وهم الفئة الثانية المذكورة في الآية التاسعة من سورة الممتحنة المتلوة سابقا، وهؤلاء لا يجوز برهم وإبداء المودة لهم.
أما الشطر الثاني من الجواب ويتعلق بتبادل التهاني بين المسلمين: فلا أرى حاجة لها وقد أغنانا الله تعالى عن ذلك بعيدين مباركين، ناهيك عن مناسبات أخرى يفرح فيها المسلمون، وأخشى أن يدخل ذلك في التشبه بغيرهم المنهي عنه خاصة إذا اعتُبر عيداً وصاحب ذلك إقامة شعائر أخرى كشجرة الميلاد و حفلات واجتماعات محرمة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَبَارَكَ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْمَيَامِينِ.