1/2/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لي سؤال في علم الحديث وخاص في المتن وهو أثر من آثار عبدالله بن مسعود وهو: هذا وبلغني أن ابن مسعود مر على رجل وهو يقول لأصحابه: سبحوا كذا، وكبروا كذا، وهللوا كذا، قال ابن مسعود: «على الله تعدون، أو على الله تسمعون، قد كفيتم الإحصاء والعدة» والذي أشك فيه في المتن مخالف لأخبار صحاح من أخبار النبي (وقول ابن مسعود على الله تعدون) ونحن نعلم أن النبي كان يعد كما في الخبر وني لااستفغر في اليوم سبعين مرة . وحيرتي هنا فهل العد الذي قصده ابن مسعود داخل فيما كان يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
مع الشكر والتقدير.
الاسم: ليث
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
لا بد من تذكيرك وتذكير جميع الأخوة بضرورة الصلاة والتسليم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عند ذكره لفظاً أو كتابة امتثالاً لأمر الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} الأحزاب 56، والاعتناء بكتابة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فالعبارة التي كتبتها (لااستغفر) تفيد نفي الاستغفار وليس إثباته.
أما جواب سؤالك: فقد كثر كلام بعض مدّعي العلم بعدم شرعية الاجتماع للذكر أو عدّ الأذكار، وهذا مناقض للأدلة الصريحة من كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أمّا الاجتماع على الذكر فله أدلة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، ففي الكتاب العزيز جاء الأمر بالذكر بلفظ الجمع غالباً، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} البقرة 199، وقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الأنفال 45، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الجمعة 9-10، وكذلك قال الله جل جلاله وعم نواله: {…وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء 79، وقال كذلك: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} ص 18، والمتأمل في الآيتين الكريمتين الأخيرتين يرى أن الله تعالى ذكر سيدنا داوود عليه السلام في معرض المدح والامتنان وبيان فضله جل وعلا عليه، مما يدل على أن الاجتماع على ذكر الله تعالى مرغوب فيه ومطلوب، وهذا واضح من بيان اشتراك المخلوقات المذكورة في الآيتين مع نبيّ الله داوود عليه السلام في التسبيح والذكر، وأمّا الأحاديث الشريفة فأكثر من أن تحصر، ونتشرف هنا بذكر بعضها: فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سيارة فضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض، فإذا أتوا على مجلس ذكر حفّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك، فيقول: ما يسألون؟ -وهو أعلم-، فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب، فيقول: فكيف لو رأوها؟ ثم يقول: ومم يستجيروني؟ -وهو أعلم بهم-، فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها، ثم يقول: إشهدوا أني قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوني، وأجرتهم مما استجاروني، فيقولون: ربنا إن فيهم عبداً خطاء جلس إليهم وليس منهم، فيقول: وهو أيضاً قد غفرت له، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) مسلم والحاكم رحمهما الله تعالى، فانظر -رعاك الله- إلى عظم منزلة الاجتماع على الذكر، فقيض الله سبحانه ملائكة لا عمل لهم سوى تلمس هذه المجالس، وكيف تتجلى رحمته على الذاكرين بحيث يغفر لمن جالسهم ولو لم يقصد مقصدهم، وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيما يرويه عن ربه جل وعلا: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه) البخاري رحمه الله تعالى.
أمّا حديث سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو الذي أورده- إبن وضاح- رحمه الله تعالى في كتابه (البدع) فليس بحجة في عدم جواز الذكر المعدود لما يلي:
1- إذا تعارض فعل أو قول الصحابي مع آية قطعية الدلالة أو مع حديث صحيح وقطعي الدلالة فلا يؤخذ بفعل أو قول الصحابي، ويجب تأويله على معنى آخر.
2- لقد وردت أحاديث صحيحة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تجيز العدّ في الذكر، ومنها ما رواه سيدنا علي رضي الله عنه عن حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين طلب خادماً له ولسيدتنا فاطمة رضي الله عنها قال: (إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه) متفق عليه، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) البخاري رحمه الله تعالى. بل إن هناك آثاراً تجيز استعمال وسيلة للعد كأصابع اليد والحصى والنوى.
3- يمكن تأويل كلام سيدنا إبن مسعود رضي الله عنه –إن صحّ- على ضرورة الانتباه إلى جوهر الذكر ووقعه في القلب وليس الاعتماد على العدد فقط.
4- لم ترد آثار تنهى عن العد في الذكر أو استعمال أدوات في ذلك إلّا التي وردت عن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه.
5- أهل الجرح والتعديل مختلفون في ابن وضاح رحمه الله تعالى، ففي سير أعلام النبلاء 13/445 في ترجمة ابن وضاح: (قال ابن الفرضي: كان كثيراً ما يقول ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في شيء ويكون ثابتاً من كلامه).
ملاحظة: ينبغي أن يقال هنا أن علماء الأصول -رضي الله عنهم وعنكم- اعتنوا عناية كبيرة بموضوع التعارض بين النصوص، فكتبوا أبحاثاً قيمة أثرَوها بشواهد كثيرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأقوال الفقهاء -رضي الله عنهم وعنكم-، وبينوا سبل رفع التعارض بينها، فأرجو من طلاب العلم الاهتمام بتلك الأبحاث والتي تكون غالباً تحت عنوان (التعارض والترجيح).
والله سبحانه وتعالى أعلم.