1/2/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل يجوز الاحتفال بذكرى ولادة الأطفال أو الكبار التي تسمى بــ (عيد الميلاد)؟
الاسم: سؤدد
الـرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
قبل الإجابة، أحب أنْ أنقل جواب شيخنا العلامة الشيخ عبد الكريم الدبان التكريتي رحمه الله جلّ وعلا عن سؤال مشابه:-
للإجابة الكاملة عن هذا السؤال ينبغي النظر فيما يلي:-
1- حول تسميته عيدًا.
2- حول ما فيه من التشبّه بغير المسلمين.
3- إظهار المسرّة فيه.
4- تقديم الهدايا إلى تلك العائلة للمناسبة المذكورة.
أمّا تسميته عيدًا فليست حرامًا ولا مكروهة، وكل ما يمكن أنْ يقال فيها إنّها خلاف الأولى، ونحن في الواقع لا نحبّذ الانجراف في تقليد الأمم الأخرى بأمثال هذه المظاهر- ولو لم يكن في ذلك محذور ديني-، ولكن مجرد قولنا (لا نحب أو لا نحبّذ) لا يخوّلنا أنْ نقول إنّه حرام أو مكروه، فالقول بالحرمة أو الكراهة لا بُدّ أنْ يكون عن دليل شرعي، ولا دليل هنا على ذلك، كما سيتضح للسائل المحترم وللسادة قرّاء هذه المجلة.
حدث قبل بضعة قرون أنّ جماعة من المسلمين أظهروا شعار العيد في اليوم الثامن من شوّال، وأقاموا الولائم فيه، وسمُّوه عيدًا، فقال بعض علماء ذلك البلد الذي ظهر فيه ذلك: لا يجوز تسميته عيدًا، ولا يجوز إظهار شعار العيد فيه، واستفتوا في ذلك الشيخ ابن حجر الهيثمي كما في الفتاوى الفقهية (1/272) فقال ما خلاصته:-
إنّ قول ذلك العالم ليس بصحيح، إلّا إذا اعتقدوا أنّ ذلك اليوم عيد وضعه الشارع كما وضع عيدي الفطر والأضحى، فتحريم ذلك ظاهر، وأمّا مجرّد تسميته عيدًا أو إظهار شعار العيد فليس بمحرّم، نعم ينبغي أنّه خلاف الأولى، هذا في تسمية يوم معين عيدًا عامًّا وإظهار شعار العيد فيه، أمّا ما نحن فيه فليس كذلك بل هو خاص بعائلة لا تدّعي أنّه عيد عام، ولا تطلب من النّاس إظهار شعار العيد في ذلك اليوم.
وأمّا ما يقال إنّ فيه تشبّهًا بغير المسلمين، والحديث ينصّ على أنّ من تشبّه بقوم فهو منهم، فنقول: إنّ هذا الحديث لم يرد في الصحاح، نعم أخرجه أبو داود، فقال بعض العلماء: إنّه حديث حسن، وقال آخرون: إنّه حديث ضعيف كما يفهم هذا من (السراج المنير) (3/348)، و (فتح العلّام) (2/362)، وعلى كلٍّ، فإنّ العلماء تقبّلوا هذا الحديث، ولكنّهم نصّوا على أنّ التشبّه لا يكره في كلّ شيء، بل فيما إذا كان ذلك العمل مذمومًا، وكان فاعله يقصد التشبّه بغير المسلمين، وفي أبحاث الصلاة من كتب الحنفية: أنّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى عدّ من جملة ما يفسد الصلاة أنْ يقرأ المصلّي من مصحف مفتوح أمامه، وعلّل الفقهاء ذلك بأنّ فيه تشبّهًا بأهل الكتاب، وقالوا: إنّ صاحِبيَّ أبي حنيفة جوَّزا ذلك مع الكراهة، وإنّ الشافعي جوّزه بلا كراهة، وممّن ذكر ذلك صاحب الدرّ المختار، ثمّ قال: إنّ التشبّه لا يكره في كلّ شيء، بل في المذموم، وفيما يقصد فيه التشبّه، وذلك يفيد أنّه إذا لم يكن الفعل مذمومًا في نفسه ولم يقصد فاعله التشبّه بهم فلا بأس به، وفي الهداية (1/39):-
يستحب تعجيل صلاة المغرب، لأنّ تأخيرها مكروه لما فيه من تشبه باليهود. – انتهى مع التوضيح-
قال ابن الهمام في شرح ذلك:-
(وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه لا يكره ما لم يغب الشفق، أي ما لم يخرج وقتها) -انتهى- من فتح القدير (1/158).
وقال صاحب العناية (شرح الهداية في هامش فتح القدير):-
(إنّ التأخير مكروه لما فيه من التشبّه باليهود، وما فيه تشبّه باليهود فتركه مستحب) -انتهى-
وانظر كيف جعل ترك التشبّه مستحبًّا، ومعلوم أنّ ترك المستحب لا يكون حرامًا ولا مكروهًا بل خلاف الأولى كما هو مقرر عندهم. ونحن اليوم غالبًا ما نبني بيوتنا ونؤثثها على طراز ما يفعل غير المسلمين من الأوروبيين وغيرهم، كذلك نحضر طعامنا ونقدمه ونتناوله -غالبًا- كما يفعل أولئك الأجانب، وربما نتناوله بمثل الأدوات التي يتناولونه بها، وكذلك نحتفل بمناسبات تخصّنا كما رأيناهم يحتفلون بمناسبات تخصّهم، نفعل ذلك وإنْ لم يكن سلفنا يفعلونه، فالنصارى -مثلًا- يحتفلون قديمًا وحديثًا بميلاد السيّد المسيح عليه السلام، فصرنا نحن بعد الهجرة بقرون نحتفل بميلاد الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم، وحتّى بناء المحاريب في المساجد الذي حدث في زمن معاوية، وبناء المنائر الذي حدث في أوائل القرن الثاني الهجري اعترض على ذلك بعضهم لأنّه يشبه ما في الكنائس، لكن المسلمين لم يكترثوا بذلك، بل رأوه حسنًا، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن كما روى ابن مسعود موقوفًا عليه.
وأمّا إظهار المسرّة في اليوم موضوع البحث فلا بأس به أيضًا، لأنّ إظهار المسرّة عند حدوث ما يوجبها أمر مشروع في الأصل، كما في الزواج، وقاسوا عليه كلّ ما فيه حصول نعمة أو زوال نقمة، فإنّ زوال النقمة نعمة، من ذلك إظهار المسرّة عند الختان، وعند قدوم مسافر من حجّ أو سفر بعيد، وعند ولادة مولود، وعند التخلّص من أسر، أو خروج من سجن، وشفاء من مرض، وعند نيل رتبة، وإنهاء دراسة، ومن هذا القبيل ما قال ابن حجر الهيثمي في فتاواه الفقهية (3/43):-
(ما يجعل من الطعام عند ختم القرآن سنة قياساً على الولائم المسنونة) -انتهى-.
وأمّا تقديم الهدايا في المناسبات المذكورة في السؤال فنقول:-
إنّ التهادي مشروع، ففي الأدب المفرد للإمام البخاري وفي مسند أبي يعلى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (تهادوا تحابّوا)، وممّا يكاد يشبه المتواتر من الأخبار أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، أمّا تقديم الهدية في المناسبات ففي فتاوى ابن حجر المذكورة (2/31) حول ما اعتاده الناس من تقديم هدية للمريض عند عيادته قال: إنّه إحسان للمعارف وللأقارب وهو سنة -انتهى-
وكذلك مقابلة الهدية بالهدية أمر مشروع، فمَنْ أهداك هدية في مناسبة تخصّك عليك -مع الإمكان- أنْ تهديه شيئًا عند حدوث مناسبة تخصّه، حتّى لو كان ذلك الشخص من غير المسلمين، حدث قبل مدّة طويلة أنّ بعض أثرياء المجوس أَوْلَمَ وليمة لمناسبة حلق رأس ولده، فحضر الوليمة بعض المسلمين، وقدموا للمجوسي بعض الهدايا، ويظهر أنّ إمام تلك البلدة استنكر ذلك واعتبره من قبيل الكفر، فكتب إلى شيخ الإسلام أبي علي السعدي، قال صاحب الفتاوى البزازية (6/333):-
فأجاب السعدي بأنّه لا كفر في ذلك، وأنّ إجابة الدعوة – ولو لأهل الذمة – سنة، ومجازاة المحسن بالإحسان سنة، لكن الأولى للمسلمين أنْ لا يوافقوا أهل الذمة على مثل هذه الأفعال -انتهى باختصار-.
وواضح أنّه يقصد أنّ مشاركة المسلمين لغير المسلمين بحضور ولائمهم والإهداء إليهم جائز، ولكنّه خلاف الأولى، وكلامنا إنّما هو في احتفال ببلوغ ولد سنة أو سنتين فأكثر، فهذا أولى أنْ يقال أنّه لا بأس به، وقد كررنا أنّ ذلك احتفال عائلي خاص، لئلا يتبادر إلى الأذهان أنّ الحكم كذلك فيما هو عام، ولا سيما فيما يخصّ غير المسلمين من الأعياد، وإجبار الناس على إظهار شعار العيد في الأعياد الخاصة باليهود أو النصارى أو المجوس، فإنّما ذلك غير جائز، وقد أطلنا في الجواب ممّا قد لا يلائم باب الفتاوى، لكن نأمل أنْ يكون في ذلك فائدة إنْ شاء الله تعالى، وهو العالم بالصواب.
انتهى جواب الشيخ رحمه الله تعالى
وأرى ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله تعالى في أنّ هذا الاحتفال هو خلاف الأولى، وخاصّة ما يصاحب بعض هذه الاحتفالات، فكلها مثلًا تبدأ بإطفاء شمعة أو أكثر، والشمعة في تعبير كلّ الناس ترمز إلى النور والمعرفة، حتى قيل: (بدل أنْ تلعن الظلام اشعل شمعة) ونحن نقول: بدل أنْ تطفئ شمعة أيّها المسلم وأنت تطوي سنة من حياتك اشعل شمعة النور والإيمان، فالمسلم مأمور أنْ ينير الطريق للآخرين، وديننا العظيم هو دين التفاؤل والفرح -خاصة عند حدوث نعمة أو دفع نقمة-، قال الله عزّ وجلّ:-
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 58].
وأقترح أنْ يحتفل المسلمون بمناسبات يهتدون بها بهدايات الكتاب والسنّة لتكون لهم هويتهم الخاصة بهم، لأنّنا إذا منعنا شيئًا اعتاد عليه الناس لا بُدّ أنْ نوجههم إلى البديل النافع، وأضرب على ذلك أمثلة وأترك الميدان لذوي الصدور المنشرحة والقلوب المتذوقة لهدايات كتاب الله تبارك اسمه وسنّة رسوله سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلم ليستنبطوا ما يثري حياتهم عظة وعبرة، فأقترح أنْ يُحتفل بمحطات في حياة الإنسان لأهميتها وما فيها من معان، فمثلًا المتأمّل في حديث سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.
يستطيع أنْ يجعل من خلاله محطتين في حياة ابنه، الأولى عند بلوغه سبع سنين، فلا بأس هنا أنْ يحتفل الأهل بهذا السنّ لارتباطه بأوّل أمر للصلاة، ومن خلال ذلك يبيّن للولد ولمَنْ يحضر من أقرانه أهمية الصلاة في حياته، وأنّها نعمة من الباري، فلولا كرم المسلم عند الله جلّ وعلا لما أمره بالعبادة ولما جزاه عنها جزيل الثواب، والمحطة الثانية عند بلوغه العشر سنين، مع التأكيد أنّ الضرب المقصود في الحديث الشريف هو للتأديب والتذكير وليس للعقوبة والإيذاء، وهناك محطة أخرى مهمة وهي وصوله سنّ التكليف الشرعي، وعندها يجب على وليّ الأمر توضيح جملة أمور منها تتعلّق بالتكوين الجسمي للبالغ وما يترتب عليه من أحكام كستر العورة وغسل الجنابة، ومنها ما يترتب عليه من فرائض كالصلاة والصوم، ثمّ بعد هذا على المرء أنْ يتوقف عند محطة الأربعين سنة من عمره، متذكرًا قول الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأحقاف: 15].
فيتوقف مع نفسه لمراجعة سنينه الأربعين الماضية وما قدّم فيها من طاعات وما اقترف من سيئات، فإنْ وجد نفسه في زيادة خير فليحمد الله تعالى وليواظب على الترقّي وتطهير القلب، وإنْ وجد غير ذلك فليعقد الهمّة على إلقاء أثقال الدنيا عن كاهله، ويعزم على بدء صفحة جديدة مع ربه عزّ وجلّ، واللهَ تعالى ندعو أنْ يجعل مستقبل أيامنا خيرًا من ماضيها.
والله جلّت قدرته أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.