29/12/2011
السؤال:
سيدي حضرة الشيخ سعدالله حفظكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤالي حضرة الشيخ يهمني كثيراً، فأرجو أن تجاوبنا عليه مع الشكر الجزيل: هل هناك عقوبة مجربة أو محددة أو لا مفر منها معروفة لدى السادة النقشبندية -السابقين أو المتأخرين أو المعاصرين- لمن لا يقوم بعمل الأوراد مطلقاً أو جزئياً أو حتى يرتد عن العمل الروحي، لأنه سمعت من أحد السالكين أن من لا يواظب على الأوراد قد يصل به الحال إلى النفاق والعياذ بالله.
أرجو الإجابة وجزاكم الله كل خير.
الاسم: أبو محمود
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أي أخي العزيز أبا محمود: للإجابة على سؤالك لا بد لي أن أؤكد على ثلاث نقاط، التي أرجو من كل سالك أو من يريد أن يطلع على معالم هذا المنهج الشريف أن يضعهن نصب عينيه:
الأولى: الابتعاد عن الاسماء كالنقشبندي والوهابي والصوفي والسلفي…إلخ، فنحن مسلمون أولاً وآخراً، ونعتز بما ارتضاه لنا ربنا عز وجل من اسم حيث قال: {…مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ…} الحج 78، فلا مكان للأسماء التي تكون بديلاً عن لفظ (المسلم) أو تكون سبباً للفرقة بين الأمة كما هو الحال الآن، بينما نرضى بها عندما تجسد معالم الدين الحق الذي يعتبر كثرة الأسماء تنوعاً يؤدي إلى التكامل والجمال، وهكذا كانت هذه الأسماء وغيرها في عهود السعادة والثقافة الفائقة للأمة.
الثانية: إن السالك في هذا المنهج الشريف لا يكون مجبراً بل مختاراً، وكذلك معاهدته لمرشده، فهو الذي ألزم نفسه بالاتباع والتقيد بالأوراد التي هي ذكر الله عز وجل وتقديسه والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا الالتزام يدخل ضمن الوفاء بالعهود الذي أمرنا به ربنا عز وجل فقال: {…وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} الإسراء 34. وأرجو مراجعة جواب سؤال (رقم 474).
الثالثة: لا توجد عقوبة محددة لمن لا يلتزم بأوراده، لأن الحدود موقوفة على أمر الله سبحانه وتعالى من خلال كتابه العظيم وهدي نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولكن لا شك أن من يخلف عهده يكون على خطر في دينه، ويتوقف ذلك على دوافع هذا الإخلال، فإن كان إنكاراً فربما يدخل في النفاق عياذاً بالله تعالى، قال سبحانه: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} التوبة 77. وإن كان تهاوناً وتقصيراً فقد تُنكتُ في قلبه نكتة سوداء. وقد تسأل فهل ينطبق ذلك على الذين لم يسلكوا أصلاً؟ الجواب: أننا لا نرى في السلوك فرضاً على كل مسلم أو أن من لا يسلك هو آثم، بل إننا ننظر لعموم المسلمين بأنهم على خير كثير، إذن ما الفرق بين السالك المتهاون وغير السالك؟ لتوضيح هذه المسألة أقول وكما قال سيدي حضرة الشيخ عبدالله رحمه الله تعالى (وخيرُ أنيس في العلوم مثالُ): رجل اعتاد الصلاة الراتبة في مسجد الحي، وجار له اعتاد أن يصليها في بيته ولا يذهب إلى المسجد إلا في الجمعة، ثم في يوم من الأيام حدثته نفسه وحركته همته للصلاة في مسجد الحي أسوة بجاره، فتوضأ وتهيأ وخرج من بيته متوجهاً إلى المسجد، ثم حين أصبح في مواجهته حدثته نفسه الأمارة قائلة: ولِمَ تكلف نفسك التعب وقد اعتدت الصلاة في بيتك صلاة لا خلل فيها؟ فأطاع وساوسه وقفل راجعاً من حيث أتى! ألا تعتقد أن درجته عند الله تعالى قد نزلت؟ وأنه لو بقي في داره لكان خيراً له؟ ولأقرب المثال أكثر: صديق لك لا يزورك إلّا نادراً، ثم عقد الهمة ليزورك، ثم عندما وصل بيتك غير رأيه ورجع من حيث أتى، فإن علمت بفعلته ألن تجد في نفسك شيئاً عليه؟ وقد تعاتبه بل ربما تخاصمه؟ ويؤيد ذلك أن السادة الأحناف ومن وافقهم رحمهم الله تعالى جعلوا النافلة فرضاً إذا شرع المسلم بها، لأن ترك الطاعة بعد التلبس بها بدون سبب سوء أدب مع المعبود جل جلاله وعم نواله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} سورة محمد صلى الله عليه وسلم 33.
أما الحديث الصحيح (من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فإن المقصود منه -والله تعالى أعلم-: الرجل يفكر وينوي عمل حسنة فلم يفعلها، فالشرع الشريف يشجع ويحث المسلم على جعل تفكيره إيجابياً يدور حول فعل الخيرات وترك المنكرات، ومجرد التفكير بذلك فإن الله عزوجل يثيبه خيراً، لأن ذلك يدل على حياة قلبه وازدهار بذرة الخير فيه.
وبما أن مشايخنا الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم يحرصون كل الحرص على الارتقاء بالمسلمين والمسلمات في مجال عبوديتهم لله تبارك وتعالى حتى يبلغوا مقام الإحسان فإنهم لا يشجعونهم على السلوك الذي هو إجمالاً (معاهدة الله تبارك الله على الالتزام بالشريعة ظاهراً وباطناً ونشر العمل الروحي بين المسلمين قدر الاستطاعة، والعمل على توحيد صف المسلمين في حدود الطاقة) إلا بعد جعلهم على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، قال عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} سورة يوسف عليه السلام 108، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأنعام 153، وذلك من خلال توسيع دائرة ثقافتهم الروحية والانقطاع لتصفية القلب وتزكية النفس بجلسة لا تأخذ أكثر من نصف ساعة من ساعات النهار، يتذوقون فيها حلاوة الذكر وأنس الإنابة لخالقهم جل جلاله وعم نواله، مع حضور مجالس الختم الشريف إن أمكن ذلك، فإن هم أخذوا بهذه التوجيهات فأثمرت عندهم الحرص التام على معاهدة خالقهم على يد مرشد صح إسناده إلى حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين بايعوهم وعاهدوا الله سبحانه وتعالى على ما ذكرنا من قبل، فانظر رعاك الله يا عزيزي يا أبا محمود وتأملوا أيها القراء الكرام لتروا حكم الله سبحانه وتعالى في مسلم أو مسلمة هُدِيَ إلى هذا النهج القويم فتنوّرَ باطنه بهدايات النصوص الشرعية التي تحدثت عن الروح وطاقاتها وما يجب تجاهها فأكد هذه البصيرة ببيعة خالصة لله تبارك وتعالى ثم نكص على عَقِبيه نعوذ بالله تبارك وتعالى، فماذا نتصور في حقه؟ ألا يُخشى عليه أن يدخل تحت نصوص الكتاب والسنة المحذرة من الانقلاب على الأعقاب ونقض الغزل بعد قوة وثبات؟ ويكفي أن نتشرف في هذا المقام بقول ربنا العليم العلام جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} الفتح 10، {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} النحل 92، وقول حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) الإمام أحمد والبيهقي وآخرون رحمهم الله تعالى، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً. ومن كانت فيه خَصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجر) متفق عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.