29/12/2011
السؤال:
فضيلة الأستاذ الدكتور سعدالله المحترم: السلام عليكم، وأسألك الدعاء.
سؤالي: العمر ليس شرطاً في كفاءة الزواج، ولكن علماء النفس لهم رأي بأنه لا يكون بينهما توافق نفسي، خاصة إذا كان الزوج أكبر من الفتاة بـ 25 سنة، أرجو رأيكم حول الموضوع، وهل زواج النبي صلى الله عليه وسلم بسيدتنا عائشة يصلح دليلاً لنا.
وجزاك الله خير الجزاء
وأرجو الدعاء سيدي
الاسم: يوسف
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
ليس هناك في الشرع الشريف حد معين لفارق السن بين الزوجين، كما ليس هناك حد أدنى لسن زواج الفتاة بعد بلوغها، ولكي يكون جوابي على سؤالك وافياً قدر الإمكان ينبغي ذكر ما يلي:
1- إن زواج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وأله وصحبه وسلم من أمّنا عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كان من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، مع أن بعض الباحثين قرروا أن سنها رضي الله عنها عند الزواج لم يكن أقل من ثمانية عشر عاماً تبعا لتسلسل الأحداث، وحتى لو لم نأخذ باستنتاجاتهم فيبقى ما قلناه بخصوصية الأمر. وفي كل الأحوال فليس من الحكمة أن يكون هناك فارق عمري كبير بين الزوجين كي لا ينشأ حاجز زمني يضعف بينهما حبل التفاهم تبعاً لانتمائهما لجيلين مختلفين.
2- يتبين لمن يتأمل بتجرد وواقعية أنه كلما رجعنا في الزمن رأينا أن الناس ذكوراً وإناثاً كانوا يتحملون المسؤولية بعمر مبكر أكثر من الجيل الذي يليهم، فإذا عدنا إلى زمن صدر الرسالة وجدنا رجالاً ونساءً نعد أقرانهم في هذا الزمن أطفالاً، فمن أمثلة ذلك أن سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما كان عمره تسعة عشر عاماً حين أسند إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قيادة الجيش، وفي قصة سيدينا معاذ ومعوّذ إبني عفراء رضي الله عنهم حين ترصدا لأبي جهل في غزوة بدر، ولم يكونا يعرفانه، فسألا سيدنا عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه الذي قدر عمريهما بين الثانية عشرة والرابعة عشرة، وكانا حريصين أن يقتلا من سب سيد الخلق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويتنافسان في ذلك.
3- لا شك أن ظروف ومتطلبات الحياة الزوجية في تلك الحِقَب أقل منها في هذا الزمن الذي تعقدت فيه الحياة بفعل الإنسان، ومع ذلك فقد حرص الجيل السابق على تربية البنات وتنشئتهن وتهيئتهن لتحمل المسؤولية في الحياة الزوجية وطاعة الأزواج وتبيان الدور الحقيقي للمرأة، أما الآن فلا نكاد نرى بين العوائل من يقوم بهذا الدور إلا ما رحم ربي، بل إن المجتمع ينظر إلى البنت التي لم تبلغ الثمانية عشر عاماً أو العشرين بعين الطفلة الصغيرة القاصرة حتى لو بلغت سن التكليف الشرعي، ثم ينبغي التنويه إلى أن المسألة نسبية، فلو أن رجلاً بلغ الستين عاماً وأراد أن يتزوج راغباً في الإنجاب فلا شك أن النسبة العمرية بينهما لابد أن تكون بما ذكرتَ أو أكثر، ومما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان أطواراً، فهو يتنقل من طور إلى طور، ولكل طور حاجاته وخصائصه، فالحاجة إلى الزواج ترتبط بطور البلوغ كما أن الحاجة إلى الطعام (الذي يحتاج إلى تقطيع ومضغ) ترتبط بظهور الأسنان، والأجيال السابقة كانت أقرب إلى هذا الوصف الفطري، فسلامة الفطرة فيها كانت أظهر، ولذلك كان الزواج المبكر في بداية البلوغ أمراً واقعاً، ولكن حينما ابتعدت الأجيال عن سنن الفطرة فإننا وجدنا ظاهرة التأخر في الزواج شائعاً، فمن النادر أن نرى في الأجيال السابقة من بلغ الثلاثين من عمره أعزباً بينما نسمع في هذا الجيل أن أكثر الشباب لا يتزوجون إلا بعد هذا العمر، وهذه كلها من فساد الفطرة وتأثير الحضارة المادية على الناس، ونحن من هذا المنبر ندعو إلى تيسير الزواج المبكر والتعاون فيه، فالله عز وجل أعلم بمن خلق، وقد قال سبحانه: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك 14.
والله سبحانه وتعالى أعلم.