16/2/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
سيدي الحبيب
س: ورد لفظ لعن الله في كثير من الأحاديث الشريفة، وكما تعلم لفظ اللعنة في القرآن تعني الطرد من رحمة الله، فهل للفظ اللعن في الأحاديث الشريفة معنى آخر؟ وهل يختلف المعنى من حديث لآخر؟
جزاكم الله عنّا وعن المسلمين خير الجزاء.
الاسم: محمد
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
الأصل في معنى اللعن هو الطرد من الرحمة، ولكن يختلف معناها بحسب سياق الكلام -كما هو شأن الكثير من ألفاظ اللغة العربية-، ومثال ذلك كلمة (كفر)، فهي تأتي بالمعنى المشهور (أي مضادة الإيمان) كما في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} البقرة 6، وتأتي بمعنى جحود النعمة كما في قوله عز وجل {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} سورة سيدنا إبراهيم عليه السلام 7، وتأتي بمعنى البراءة كما في قوله سبحانه {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} الممتحنة 4.
وكذلك كلمة (لعنة) تأتي لمعاني متعددة، منها المعنى الذي ذكر -وهو الطرد من رحمة الله تعالى- كما في قوله سبحانه {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} البقرة 88، ومنها طلب العقوبة كما في قوله جل وعلا {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} المائدة 78، ومنها السب والشتم دون قصد الطرد من الرحمة كما في الحديث الشريف الذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أُتي بشارب خمر على عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (…فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) البخاري رحمه الله تعالى، وتأتي للزجر كما في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقاها) أحمد والحاكم وابن حبان رحمهم الله تعالى. فالمتأمل في الحديثين الشريفين يفهم قطعاً أن المراد باللعن الوارد في الحديث الثاني لا يدل على الطرد من رحمة الله تبارك وتعالى، وإنما يدل على تأكيد التحريم وقوة الردع، ويمكن أن يقال أن من شربها معتقداً حلّها ومنكراً تحريمها يمكن أن تكون اللعنة في حقه بمعنى الطرد، وينبغي أن يعلم أن شرب الخمر ليس من الذنوب التي تخلد صاحبها في النار، بل إن عقوبتها تعزيرية ولم يرد فيها حدّ، و قد تكون اللعنة عقوبة أخروية معنوية تدل على الذل والهوان -والعياذ بالله تعالى- كما في قوله سبحانه {وَعَدَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} التوبة 68، وفي الحديث الشريف (يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صُوَر الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى “بولس” تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال) الترمذي رحمه الله تعالى.
ولكن يجب الابتعاد عن اللعن حتى لو لم يكن القصد الطرد من الرحمة لورود النهي عن ذلك في حديث سيد المرسلين صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين (…ومن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله) البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) أحمد والترمذي والحاكم رحمهم الله تعالى، وكذلك لا يجوز لعن المعيّن -حتى لو كان كافراً- لعدم معرفة ما يُختَم له قال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ} آل عمران 86-89، وقد جوّز العلماء رحمهم الله تعالى لعن من لُعِنوا في القرآن الكريم كالكافرين والظالمين وأمثالهم دون تعيين أشخاصهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.