26/2/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخي الحبيب،
أعانكم الله تعالى ورعاكم وحفظكم من كل سوء، وأقرّ عينكم بسلامة الأهل والأولاد والأحباب.. آمين يا رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: سؤالي شيخي حفظكم الله تعالى ورعاكم:
يقول الله سبحانه تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)} التوبة.
شيخي الحبيب: أنتم تعلمون ما جاء في سبب نزول هذه الآيات في التفاسير -ومنها تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى- والحديث الذي أورده في قصة ثعلبة. والحديث يشير إلى أن ثعلبة كأنما كان يريد تصحيحاً لما فعل ويريد التوبة بصدق حينما جاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن ثم إلى سيدنا الصديق ثم سيدنا عمر ثم سيدنا عثمان رضي الله عنهم أجمعين، ودليل ذلك وما جاء في الحديث الذي يروي قصة ثعلبة (فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “[هذا] عملك، قد أمرتك فلم تطعني”).
سؤالي شيخي: هل هو لم يكن صادقاً في توبته حينما جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فأخْبِرَ الله عز وجل النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فمنعه سبحانه وتعالى من أن يأخذ زكاته وكان بذلك منافقاً كما وصفت الآية؟ أم أنه قد طُرِدَ من رحمة الله تعالى فلم يقبل منه توبة؟ ونحن قد تعلمنا منكم ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يقبل التوبة من العبد ما لم يغرر وحتى تطلع الشمس من مغربها.
وأيضاً قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: (أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أَوْ قَالَ عَمِلْتُ عَمَلًا ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) مسند الإمام أحمد.
وقول الحبيب عليه الصلاة والسلام: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) سنن الترمذي.
ثم شيخي الحبيب -حفظكم الله تعالى ورعاكم- إن كان طرداً من رحمة الله لعدم الوفاء بالعهد فهل هو خاص بثعلبة أم يشمل كل من عاهد الله تعالى فأخلف، ولا سيما وأن الكثير من المسلمين شيخي الحبيب يذنب في حال غفلة فيندم ثم يعاهد الله عز وجل أن لا يعود إلى مثله لإرغام نفسه في عدم المعصية ولكنه بعد فترة يقع في نفس الذنب في حالة ضعف وغفلة، ثم يتدارك نفسه فينتبه فيندم ويعاهد الله مرة أخرى، وقد يصحبُ الندمَ البكاءُ لما اقترف مما لا ينبغي له، بل قد يتكرر هذا الأمر مرات ومرات.
شيخي الحبيب أرجو توضيحكم لذلك مع بيان هل هناك حالات (ذنوب) لا يقبل الله تعالى التوبة فيها من العبد في الدنيا؟
وجزاكم الله تعالى عنّا كل خير.
الاسم: أبو زيد
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاك الله تعالى كل خير على دعواتك الطيبة ولك بمثلها،
القصة التي بنيت عليها سؤالك نقلها بعض المفسرين رحمهم الله تعالى، وقد تراوح حكم المحدثين رضي الله عنهم عليها بين الوضع والضعف الشديد!! قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: (قلت وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة، فما روي عنه غير صحيح. قال أبو عمر: ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح) انتهى.
وقال ابن حزم في المحلى رحمه الله تعالى: (وقد روينا أثراً لا يصح، وفيه أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل لأن ثعلبة بدري معروف) انتهى.
وقال المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (قال البيهقي رحمه الله تعالى: في إسناد هذا الحديث نظر، وهو مشهور بين أهل التفسير).وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: (أخرجه الطبراني بسند ضعيف).
وقال محد بن طاهر المفتي في تذكرة الموضوعات: (ضعيف).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تخريج أحاديث الكشاف: (وهذا إسناد ضعيف جداً).
وضعف القصة أيضاً الذهبي في ميزان الاعتدال، والسيوطي في أسباب النزول وغيرهم.
والراجح في تفسير الآية ما ذكره ابن حجر: (أن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ..} الآية، قال: هؤلاء صنف من المنافقين، فلما آتاهم ذلك بخلوا، فأعقبهم بذلك نفاقاً إلى يوم يلقونه ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عفو، كما أصاب إبليس حين منعه التوبة) انتهى.
وهذه القصة تخالف صريح الكتاب العظيم والسنة السنية، فالله جل جلاله وعم نواله وعد عباده المقصرين بقبول توبتهم إذا جمعوا شرائطها، فما تعلق بحق الرب عز وجل يشترط على التائب أن يقلع عن الذنب أو التقصير ويندم على ما فعله ويعزم على عدم العود وأن تكون التوبة في فسحة الاستجابة، أي قبل غرغرة الموت، أو قبل طلوع الشمس من مغربها، أما التوبة عن الذنب الذي في حق الناس فيضاف إلى ما سبق استحلال الخصوم، فمن أخذ شيئاً من أحد أو غشه فعليه إرجاعه، ومن اغتاب فعليه طلب العفو، فإن تعذر ذلك لبعد صاحب الحق أو أنه لا يعرف مكانه فعليه التصدق بما وجب عليه والدعاء لمن اغتابه، ومع ذلك فمن مات دون توبة فأمره إلى الله عزوجل إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، عدا ذنب واحد أوعد الله عز وجل صاحبه بالعذاب ونفى عنه العفو هو (الشرك) عياذاً بالله تبارك وتعالى، حيث قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} النساء 48.
وأما مخالفة القصة للسنة الشريفة، فبالإضافة إلى تأكيدها لما ورد في الكتاب العزيز، فقد جاء في حديث لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قوله: ( في كل سائمة إبل، في أربعين بنت لبون، ولا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا عز وجل، ليس لآل محمد منها شيء) أحمد وأبو داوود والحاكم رحمهم الله تعالى. ففي هذا الحديث الشريف إشارة لاحتمال امتناع البعض عن دفع الزكاة، ولم يكن فيه إشارة إلى عدم قبول توبتهم، فهذا الحديث الشريف يضاف إلى الأحاديث التي أوردتها في سؤالك وغيرها مما ورد في كتب الصحاح والسنن كلها يدل على قبول التوبة بالشروط التي ذكرت.
والله سبحانه وتعالى أعلم.