28/2/2011
السؤال:
السلام عليكم سيدي ورحمة الله وبركاته،
سيدي وأنا أكتب في بحث أرد فيه بالحكمة والموعظة الحسنة -كما أمر عز وجل- على أحد النصارى الذين تأثروا سلباً بحادثة الكنيسة في بغداد وقال كلاماً مسيئاً بحق الاسلام والمسلمين ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وقد رأيت -بفهمي المتواضع- أن الرد عليه بالحكمة والموعضة الحسنة قد يجلب فائدة له وكذلك للذين لا يفهمون معنى أهل الذمة وأحكامهم في الإسلام. وأسأل الله أن تكون نيتي خالصة لوجهه الكريم.
ولكن استوقفني في كلامه عن الحديث النبوي الشريف (أمرت أن أقاتل الناس جميعاً حتى يقولوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) لو كان الأمر عاماً هكذا لما وجد على أرض البسيطة أحد من غير المسلمين!! فالإسلام وصل إلى أقصى الشرق والغرب.
فما هو العام والخاص؟ وما هو تخصيص العموم؟ وكيف نتعامل مع هذا الحديث؟
 
جزاكم الله خيراً ونفعنا بكم..
وأعتذر عن الإطالة.
الاسم: مهند المشهداني
 


الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
 
أولاً بالنسبة لموضوع العام والخاص وما يتعلق به فإنه من المواضيع الواسعة في أصول الفقه، ينبغي على طالب العلم أن يدرسه على يد أحد المشايخ، فإن كان لك وقت فأنصحك أن تذهب إلى فضيلة الشيخ مثنى أو فضيلة الشيخ محمد المشهداني وأنت تعرفهما والحمد لله، فتطلب دراسة الموضوع من أحدهما والله سبحانه وتعالى يوفقك.
ولا يمكن فهم مدلولات هذا الحديث الشريف بمعزل عن شواهد من القرآن الكريم والسنة المطهرة، منها ما ذكرته والذي جاء في الآية الكريمة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل 125، ومنها أمره سبحانه لنبييه موسى وهارون عليهما السلام عند إرسالهما إلى فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} سورة طه عليه السلام 44، وقوله جل وعلا: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..} البقرة 256، {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ…} الكهف 29.
ولقد كان الهدي النبوي الشريف مستكملاً للنهج القرآني العظيم، إذ قال عليه الصلاة والسلام: (إنما مَثَلِي وَمَثَلُ الناس كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فلما أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ التي تَقَعُ في النَّارِ يَقَعْنَ فيها، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فيها، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عن النَّارِ وأنتم تقحمون فيها) البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لك من أَنْ يَكُونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ) البخاري رحمه الله تعالى، فحياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مليئة بالمواقف التي تبين منهج الإسلام في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى القائم على ترك الإكراه والإجبار الموضح فيما سبق من النصوص وما يأتي كقوله تعالى {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} ق 45، {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ} الشورى 48.
 
أمّا توجيه الحديث الشريف الذي ذكرته فيكون كالآتي:
1- يمثل حالة خاصة أملتها ظروف معينة تهيء لبناء دار الإسلام والمحافظة عليه بحيث تكون نقطة ارتكاز في حدود معينة لانطلاقة دعوة الله تبارك وتعالى وارتكاز الداعين إلى الله عز وجل إليها.
2- لو تأملنا الحديث الشريف (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) لوجدنا من خلال فهمنا لمبادئ اللغة العربية أن هنالك فرقاً بين كلمة (أقتل) و(أقاتل)، فالأولى تعني فعل القتل من جانب واحد، والثانية تعني مشاركة طرفي القتال، ومن خلال هذا الفهم نعلم أن الحديث الشريف موضوع البحث يشير إلى جواز قتال من يرفع سلاحه لصد الدين عن الناس، فكلمة (الناس) المحلّى بالألف واللّام التي هي للعهد تخصص عمومها، فيكون المراد -والله سبحانه وتعالى أعلم- الناس الذين يقاتلونكم أو يجمّعون لقتالكم.
3- يمكن أن يقال أن هذا الحديث منسوخ بالنصوص التي ذكرت وغيرها مما لم يذكر، ولكن هذا بعيد، وإنما الحق الذي أفتي به هو ما جاء في النقطة الثانية لأنه ينسجم مع كل النصوص التي تتعلق بهذا الموضوع، فمن المعلوم أن الإسلام لم يشرع القتال لإدخال الناس في دين الله تبارك وتعالى، بل جعله من الأمور المنهية عنه والتي لم تبح إلا بعد استنفاد كل الوسائل السلمية لإقامة دار الإسلام وحمايتها، وهذا واضح أشد الوضوح لمن يعود بإنصاف إلى تاريخ بدء الدعوة المباركة، ومع ما لقيه المسلمون من بطش وعذاب من مشركي قريش فلن تجد للسيف دوراً يذكر، بل كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقترحون على سيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مناجزة القوم الذين آذوه فكان يجيبهم عليه الصلاة والسلام (‏لم نؤمر بذلك) أنظر كتب السير، وبقي الأمر هكذا إلى أن نزل قول الله تبارك وتعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 39، وهذه الآية الكريمة تحمل إذناً صريحاً ببدء قتال الذين يقاتلوننا، أي لم يكن هناك إذن قبلها.
وأحب في هذه المناسبة أن أبين أن الجهاد ليس مرادفاً للقتال كما يتوهم بعض أعداء الدين والجاهلين من المسلمين على حد سواء، نعم كل قتال في سبيل الله تعالى هو جهاد، ولكن لا يقتصر الجهاد على ذلك كما تشير إليه الآية الكريمة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحجرات 15، وقد سألت أمنا عائشة رضي الله عنها وعن أبيها حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (هل على النساء من جهاد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) البخاري رحمه الله تعالى.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم.