2012/03/01
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
شيخنا الفاضل أود أن اسألكم عن الفرق بين الايحاء والالهام في القرآن الكريم. وهل يصح أن نقول إن الله عز وجل يوحي للناس فعل الخير أم نقول يلهمهم؟ وماذا عن الايحاء للمخلوقات؟
بارك الله فيكم.
 
الاسم: ليلى
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
 
بعض العلمآء يعتبرون الإيحآء والإلهام من الألفاظ المترادفة لغة، وهما الكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك، والإلهام قد يعني الوصول إلى شيء من جهة أخرى، أو الإنتفاع بالشيء من جهة أخرى، كأن ينظر الإنسان إلى القمر أو الكواكب أو ينظر إلى البحر فيستلهم معان ومشاعر من هذه المناظر، ولكن الأرجح أن بين اللفظين فرقاً حيث أن الوحي بمعناه الإصطلاحي الذي فيه التكليف لا يكون إلّا للأنبيآء عليهم الصلاة والسلام مدعوماً بالمعجزة والتحدي قال جل جلاله وعم نواله {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} النسآء 163. ويستعمل لفظ الوحي بمعناه اللغوي لغير الأنبيآء عليهم الصلاة والسلام كما جآء في القرآن الكريم {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} القصص 7. بل جآء لفظ الوحي لغير العقلآء في قول ربنا عز وجل {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} النحل 68. وقوله تبارك وتعالى {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} الزلزلة 1-5. فمعنى الوحي هنا هو ما استودعه الله تعالى في المخلوقات من قدرة وتصرف كما قال عز وجل {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} الأعلى 1-3. فإن الله سبحانه وتعالى هدى هذه المخلوقات لما قدّره لها من مهمات في هذ الدنيا، والإلهام قد يكون في شيء يقع في القلب أوينقدح في الذهن، ولكن بالنسبة لأهل الصلاح رضي الله عنهم وعنكم لا يأخذون به إلّا بقرينة من الكتاب أو السنة. وقد ورثنا عنهم (ربما تقع النكتة في القلب فلا نقبلها إلّا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة)، (من رأيته يدّعي مع الله تعالى حالاً تخرجه عن حدّ العلم الشرعي فلا تقربنّه(من ادّعى باطن علم يناقضه ظاهر حكم فقد جانب الصواب). والإلهام ورد في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس 7،8. وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء… الآية}) الأئمة الترمذي وابن حجر وابن القيم رحمهم الله تعالى. فالله عز وجل استودع الناس خاصّيتي الخير والشر وطلب منهم تنمية الخير وكبح ومقاومة الشر. ورتّب الفلاح على هذه المجاهدة فقال سبحانه وتعالى مؤكداً الثمرة المذكورة {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} الشمس 9، 10. وعلى هذا فلا يمكن أن نقول أن كل إنسان يوحى إليه بالمعنى الاصطلاحي لأنه خاص بالأنبيآء والمرسلين عليهم الصلاة والتسليم لكن تصح النسبة بالكلمتين (الوحي والإلهام) على المعنى اللغوي.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم.