2012/03/01

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله وأصحابه وسلّم

السؤال:-

العهد بين السالك ومرشدهِ من ناحية الأوراد والأذكار وآثاره الشرعية من ناحيتين الالتزام أو التهاون. قرأت في أجوبتكم وجوب الالتزام بالعهد كما أمرنا ربّنا جلّ جلاله أن نوفي بالعهود {وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا} وكما قال الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم (لا إيمان لمَنْ لا أمانة له، ولا دين لمَنْ لا عهد له) الإمام أحمد.

الأذكار والأوراد التي حثّ عليها ربّنا الله جلّ جلاله إمّا عن طرق القرآن الكريم أو عن سنّة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم فيها من أعظم الأذكار والأدعية وجعل لنا خالقنا جلّ جلاله حرية الذكر والدعاء في الكيفية والمكان والزمان مع التفاضل في الذكر والكيفية والمكان والزمان.

كان النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم يرشد ويؤكّد ويدعوهم إلى الأذكار والأدعية بشكل لا يكلّفهم أو يؤدي بهم إلى الإثم لأنّ عدم التزام بالعهد إثم، وعن معاذ رضي الله عنه، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أخذ بيده وقال: (يا معاذ والله إنّي لأحبك ثمّ أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كلّ صلاة تقول: اللهمّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود والنسائي.

وهنا أرشد وأوصى سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم سيّدنا معاذ على الذكر مع التأكيد عليه ولكن لم يلزمه بشيء إذا تركه يأثم أو يهلك وهكذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعلّمهم ما يطيقون ولا يطوقهم بشيء يسّره الله لهم، وعلينا جميعًا تطبيق سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما طبّقه عليه الصلاة والسلام، لا أتحدّث كون السالك مختارا لكن على نهج

مثال: إذا مريد عاهد مرشده على الأوراد ثمّ لم يستطع الوفاء بالورد هل يجوز أنْ يتحلّل من عهده، يعني الورد فقط؟ قال: صلّى الله عليه وسلّم (لو خيّرت بين مسألتين لاخترت أيسرهما إن لم يكن حرامًا)

تعلّمنا من حضره الدكتور عبد الله رضي الله تعالى عنه الالتزام بكتاب الله وسنّة نبيّه.

وأكرمتنا سيّدي بسعة صدركم لنا.

أسال الله الواحد الأحد الفرد الصمد أن يحفظكم من كلّ سوء ويزدكم من فضله العظيم إنّه نعم المولى ونعم النصير.

والسلام عليكم ورحمته الله وبركاته.

 

الاسم: محمد أبو أسامة

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

قبل الإجابة على سؤالك ومناقشة مداخلتك أحبّ أن أذكّر أوّلًا إلى ضرورة الاعتناء بالإملاء وتمييز النصوص الشريفة كالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بأنْ توضع بين الأقواس بدل أنْ تختلط بالكلام بشكل لا يتفق مع تقديس وتوقير هذه النصوص المباركة، مما اضطرني إلى تعديل السؤال بما يناسب.

أمّا بالنسبة لمداخلتك فإنّي أشكرك على تواصلك مع الموقع وحسن ظنّك بسعة صدري، وأنا دائمًا أوصي أحبابي بأنْ يؤشروا ما يجدونه عندي ليقوموني.

أما جوابي:-

فإنّ الورد يدخل في دائرة العهد، ومكانة العهد معروفة ومشهورة في الإسلام ومنها النصوص التي ذكرتها في سؤالك، والأذكار التي أوجّه إليها المريد لا تخرج عن دائرتها الواردة عن حضرة خاتم النبيين صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كقراءة سورة الفاتحة وآية الكرسي وسورة الإخلاص والاستغفار والصلاة والسلام على حضرة النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأخيار، والأذكار عمومًا يمكن تقسيمها إلى أذكار عامّة كالتسبيح والتهليل والتكبير وغيرها وهذه يمكن للمسلم التعبّد بها على مدار اليوم والليلة، وأخرى أذكار مخصوصة ومحدّدة في أوقات معينة ومنها الأذكار المسنونة عقيب الصلوات كقولنا (اللهمّ أنت السلام ومنك السلام …) فلا تقرأ قبل الصلوات، أو أنْ تكبّر تكبيرات العيدين في سائر الأيّام وتقول إنّها سنّة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وإلّا كنت مخالفًا للسنّة أو لا تدخل أصلًا في تطبيقك للسنّة الشريفة التي حدّدت أوقاتها بل تدخل ضمن الذكر العام، وكذلك الأذكار المخصوصة التي ترتبط بالدخول والخروج من أماكن مخصوصة فلا يمكن تعميمها على غيرها واعتبارها سنّة.

ولذا فإنّ قولك (وجعل لنا خالقنا جلّ جلاله حرية الذكر والدعاء في الكيفية والمكان والزمان مع التفاضل في الذكر والكيفية والمكان والزمان) فيه إيهام كبير لأنّ فيه خلطًا واضحًا بين الذكر العام والذكر المخصوص. فالأخير لا يمكن التقرّب به إلى الله عزّ وجلّ دون التقيّد بالزمان أو المكان المرتبط بكلّ منهما.

أمّا قولك (كان النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم يرشد ويؤكد ويدعوهم إلى الأذكار والأدعية بشكل لا يكلفهم أو يؤدي بهم إلى الإثم لأنّ عدم الالتزام بالعهد إثم) فهناك فرق جليّ بين أنْ يأخذ الإنسان ما يشاء من الأذكار وبين أنْ يلزم نفسه بأذكار معينة مأخوذة من الكتاب والسنّة ويأخذ المرشد العهد منه على الالتزام بها وبالشريعة الغرّاء ظاهرًا وباطنًا قدر استطاعته. مع الإشارة إلى أنّ السالك لا يُعاهد في هذا المنهج إلّا بعد أنْ يبدي رغبته واستعداده لذلك وقد لا يكون إلّا بعد مرور زمن طويل على طلبه فهو على بيّنة من ذلك وربما لا يُعاهَدُ أصلاً.

ونحن دائمًا نقول: إنّ علمنا ومنهجنا هذا مقيّد بالكتاب المجيد والسنة الشريفة.

فالرسول الأعظم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بايع الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنواع من الصيغ إذا صحّ التعبير. فعن سيّدنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه قال:-

(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ) الإمام أحمد رحمهم الله جلّ في علاه.

وقد جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه قال:-

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ).

وعن سيّدنا أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قال:-

(بَايَعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا، وَوَاْثَقَنِي سَبْعًا، وَأَشْهَدَ عَلَيَّ تِسْعًا، أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالَ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ إِلَى بَيْعَةٍ، وَلَكَ الْجَنَّةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. وَبَسَطْتُ يَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ: أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَلَا سَوْطَكَ إِنْ يَسْقُطْ مِنْكَ، حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.

بل إنّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بايع بعضهم بعضًا فقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى قصة معركة اليرموك التي كانت في عهد سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:-

(قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ: قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟ ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ) البداية والنهاية (7/15).

وعن سيّدنا عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال:-

(كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ، قَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدَّمْنَا أَيْدِيَنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَعَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً فَقَالَ: وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ النَّفْرَ يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ شأنه.

وعن سيدنا أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال:-

(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا: مَنْ يُبَايِعُ؟ فَقَالَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَامَ نُبَايِعُ؟ أَلَيْسَ قَدْ بَايَعْنَاكَ مَرَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ لَا تَسْأَلُوا أَحَدًا شَيْئًا. قَالَ ثَوْبَانُ: فَمَا لَهُ بِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. فَبَايَعَهُ ثَوْبَانُ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بِمَكَّةَ فِي أَجْمَعَ مَا يَكُونُ النَّاسُ يَسْقُطُ سَوْطُهُ، وَهُوَ رَاكِبٌ، فَرُبَّمَا وَقَعَ عَلَى عَاتِقِ رَجُلٍ، فَيَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فَيُنَاوِلُهُ، فَمَا يَأْخُذُهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ فَيَأْخُذَهُ) الإمام الطبراني رحمه الله سبحانه.

ومن البديهيات أنّ المسلم إذا قصّر فيما عاهد عليه يأثم، قال ربّنا جلّ ذكره:-

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 10].

وقال:-

{وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [سورة التوبة: 75 – 77].

أمّا إذا خرج ذلك عن طاقته فلا إثم عليه، قال عزّ من قائل:-

{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [سورة البقرة: 286].

وأنّه إذا تعمّد ترك بعض السنن في صلاته فسيلحقها نقص بقدر تركه، ولا بدّ أنْ يجبر ذلك النقص، فإنْ تعمّد المصلي قراءة القرآن الكريم في السجود بدل التسبيح فكيف يقال له لا شيء عليك؟! إذ أنّه تعمّد القراءة في غير محلها وترك ذكرًا في محله وأقلّ ما يقال في هذه الصلاة إنّ فيها نقصًا، فالتعميم في القول الذي تفضلت به لا ينسجم مع الشرع الشريف وضوابطه.

أما حديث سيّدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ففيه توجيه صريح بأنْ لا يترك هذا الدعاء، ففي سياق الحديث الشريف ما يدلّ على التأكيد كقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (يَا مُعَاذ وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ —) وفي بعض الروايات أنّه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وضع يده الشريفة على كتف سيّدنا معاذ رضي الله تعالى عنه قبل أنْ يوصيه.

وهذا هو فعل المشايخ رضي الله تعالى عنه وعنكم حين يجيزون تلامذتهم بالإجازة الروحية أو العلمية، فهل تظنّ أنّ سيّدنا معاذًا رضي الله تعالى عنه ترك هذا الدعاء؟

خاصّة أنّها -أي الوصية- تحمل صيغة التأكيد في قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين (لا تدعنّ) أي باستعمال نون التوكيد الثقيلة، إذ أنّ أصل الفعل تدع، ولا يحتاج سيّدنا معاذ رضي الله تعالى عنه وهو مَنْ هو في الورع والعلم وشدّة اتباعه أنْ يلزمه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بصيغة أكثر وضوحًا من ذلك، أو أنّ يقول له: إنْ لم تفعل فسيكون كذا وكذا، وقد تعوّد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنْ يبادروا إلى امتثال أوامر الرسول الأعظم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم حتّى لو كانت إشارة أو تمنيًا. فلم يترك سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قيام الليل بل لم يكن ينام إلّا قليلا حين بلغه قول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الصدق والوفا:-(نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

ويجب أنْ نضع نصب أعيننا حديث سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) الإمام ابن خزيمة رحمه الله عزّ وجلّ.

مع التأكيد على أنّ الرغبة عن السنّة الشريفة تعني الإعراض عنها بتعمّد، ولا تعني تركها، أو عدم المواظبة عليها بدافع الكسل أو الانشغال. فالاستطاعة هي مدار الأوامر الشرعية استنادًا إلى نصوصها ومنها: قول الحبيب المحبوب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أتقياء القلوب:-

(مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم تبارك اسمه.

وهذا بالضبط هو الذي نفعله إذ نقول للسالك (قدر استطاعتك).

على أنّ الورد المطلوب من السالكين هو أدنى ما يمكن من الأذكار في الصباح والمساء ولا يأخذ من وقته إلّا دقائق، وقد وضّحت في أجوبة سابقة لبعض الإخوة السالكين أنّهم يستطيعون تلاوة هذه الأذكار -في حال تعسّر تلاوتها على الحال الأكمل- بأيّ حال يستطيعون كأثناء سيرهم راجلين، أو في سيارة، أو أثناء اضطجاعهم على فرشهم، ويمكن لهم إنْ ضاق عليهم الوقت أنْ يؤخروه إلى وقت آخر فإنّ القاعدة الفقهية تقول:-

(إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتّسَعَ).

فلا أحد يقول إنك تأثم إذا تعذرت عليك الاستطاعة، على أنّه لا يتصوّر في الورد اليومي مع هذه المرونة التي ذكرت ولا أعتقد أنّ أحدًا يقول إنّ هذا الورد أو الذكر الميسّر في ذاته أو في طريقة تأديته يحتاج معها السالك أنْ يتحلّل منه نهائيًا بحجة عدم الاستطاعة، فالمسلم إذا نوى ذكر ربّه ولم يستطع فهو مأجور فإنّما الأعمال بالنيّات كما تعلم ولا يرضى لنفسه نيّة التحلّل أو ترك ذكر ربه عزّ وجلّ أو الصلاة على نبيّه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بحجة عدم الاستطاعة نهائيًا، فهل ترى صعوبة في أنْ يستغفر المسلم ربّه سبحانه خمسًا وعشرين مرّة في الصباح وأخرى في المساء؟ أو أنْ يصلّي على شفيعه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أهل الوفا خمسًا وعشرين مرّة كذلك؟!

وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يُحصُون لحضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم سبعين استغفارًا أو أكثر في المجلس الواحد وهو المعصوم بأبي هو وأمي ونفسي.

وقولك: إنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه لم يلزم أحدًا بشيء، ولم يرتّب على خرق المبايعة أو العهد شيئًا، كلام خطير وفيه هدم لأساس الدين المبني على الطاعة قدر الاستطاعة.

أمّا قولك: إنّ علينا جميعًا تطبيق سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فإنّ منهجنا -ولله الحمد والمنّة- وما تعلّمناه من مشايخنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم وما نربي عليه أحبابنا ما هو إلّا التمسّك بهديه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام واتباع سنته الشريفة في الأفعال والأقوال والأحوال، والمرشدون رضي الله سبحانه عنهم موصولو السند بحضرة النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من الناحيتين الروحية والعلمية وهذا الذي أهّلَهم لتسلّم مهمّة الإرشاد بما فيها من مسؤولية وتبعات مع الاستماع إلى تصويب أساتذتهم وأحبابهم من باب التعاون على البرّ والتقوى.

أمّا قولك (تعلّمنا من حضرة الدكتور عبد الله رضي الله تعالى عنه الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه): فنحن والحمد لله تعالى على هذا النهج، وأستطيع القول: إنّ معرفتي بحضرة الشيخ عبد الله طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه أكثر وأوثق من معرفتك به وبمنهجه، فقد تشرّفت بصحبته سنين، والدراسة على يديه ونيل الإجازة الروحية، وكما هو معلوم فلا يمكن منح هذه الإجازة إلّا لِمَنْ يراه ملتزمًا بهذا النهج، وقد سمعته رضي الله تعالى عنه يقول:-

(إِنَّ الّذِي يَنْقَلِبُ عَلَى سُلُوْكِهِ نَاكِرًا لَهُ فَحَالُهُ كَحَالِ المُنَافِقِ الَّذِي آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ عِيَاذًا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ).

ولذلك أخذ العهد علينا أنْ لا نقبل أحدًا إلّا بعد التحقّق من حاله فيما يلي:-

1- أنْ يكون عالمًا على ما يقدم عليه، متعلّمًا بعض ما يتعلّق بالعمل الروحي الإسلامي على قدر ثقافته.

2- أنْ يمارس العمل الروحي بجلسة يدرّب نفسه فيها على الحضور بين يدي خالقه جلّ جلاله.

3- أنْ تكون له الرغبة الحقيقية في سلوك طريق أهل الحقّ والصدق رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وجعلنا الله سبحانه فيهم ومنهم فجزاه الله جلّ وعلا خير ما يجزي مرشدًا عن أتباعه في هذه الأمّة، وأناله من الكرم اللائق بذاته الأقدس تعالى ربّنا وتقدس.

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة 19، 402، 474، 740 في هذا الموقع الميمون.

والله جلّت قدرته أعلم.

وصلى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.