موقع الدكتور سعدالله أحمد عارف البرزنجي

11/01/2010

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أود نشر هذه المشاركة في موقعكم المبارك وجزاكم الله خير الجزاء

جامع محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

محمد عبد الرحمن

طباعة / خالد أبوعبدالله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

:: فائدة صحبة الصالحين والنظر إليهم ::

 

((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)) الكهف٢٨

 

سئل النبي ((صلى الله عليه وسلم)): {أي جلسائنا خير فقال: من ذكركم بالله رؤيته}

 

قال الشيخ عبدالفتاح أبوغدة (رحمه الله تعالى): وذلك لأن النظر إلى الذات القدوة أفعل في النفس من السماع عنها، وأبقى لآثار الخير في ناظرها، وقد كان لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ذلك الحظ الأوفر لمجالستهم له (صلى الله عليه وسلم) ومشاهدتهم إياه وقربهم منه، فكانوا خير أمة أخرجت للناس بعد سيد الناس (عليه الصلاة والسلام).

ورؤية الرجل الصالح القدوة إنما تذكربالله لما يرى عليه من النور والإشراق، والأنس والطمأنينة، والمحبة والسكينة، في سمته وهيئته وخشعته، في نطقه وصمته وإطراقه وحركته وسكونه وكل شؤونه، فلا ينظر ناظر إلا كان نظره إليه مذكراً له بالله، وكانت صورته موجهة له للإقبال على الله، أولئك الذين إذا رؤوا ذكر الله.

 

قال الحكيم الترمذي (رحمه الله تعالى ) في (نوادر الاصول)ص140 عند شرح قوله (صلى الله عليه وسلم) (من ذكركم بالله رؤيته):

((هم الذين عليهم من الله سمات ظاهرة، قد علاهم بهاء القربة، ونور الجلال، وهيبة الكبرياء، وأنس الوقار، فإذا نظر الناظر إليه -أي إلى الواحد منهم- ذكر الله تعالى، لما يرى عليه من آثار الملكوت)).

والقلب معدن هذه الأشياء، ومستقر النور، ويشرب الوجوه من ماء القلب، فاذا كان على القلب نور سلطان الوعد والوعيد، أدى إلى الوجه ذلك النور، فإذا وقع بصرك عليه ذكرك البر والتقوى، ووقع عليك منه مهابة الصلاح والعلم بأوامر الله تعالى.

وإذا كان على القلب نور سلطان الحق أدى ذلك إلى الوجه، فإذا وقع بصرك عليه ذكرك الصدق والحق، ووقع عليك منه مهابة الحق والاستقامة.

وإذا كان على القلب نور سلطان الله تعالى وعظمته وجلاله، أدى ذاك إلى الوجه، فاذا وقع بصرك عليه ذكرك عظمة الله وجلاله وسلطانه.

وإذا كان على القلب نور الله تعالى، وهو نور الأنوار، نهتك رؤيته عن النقائص والمخالفات.

فشأن القلب أنه يسقي عروق الوجه، ويشربه من ماء الحياة الذي يرطب به، ويتأدى إلى الوجه من القلب ما فيه لا غير ذلك، فكل من هذه الأنوار كان في قلب شرب وجهه منه، قال الله تعالى: ((ولقاهم نضرة وسروراً)). أي سروراً في القلب، ونضرة في الوجه.

فإذا سر القلب برضا الله تعالى عن العبد، وبما يشرق فيه من نور: نضرت الوجوه بما ولج القلوب، وهو الذي دل النبي (صلى الله عليه وسلم) على الذكر لله عنه رؤيته، وصيره علامة لأهل ولايته.

انتهى كلام الحكيم الترمذي مصححاً متمماً من (فيض القدير) للمناوي 467:3.

 

وقال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة (رحمه الله تعالى): وقد كان هذا النوع الكريم في السلف منتشراً وكثيراً، وكان الناس يقصدون لقاءه للانتفاع بالنظر إليه، إذ كانت رؤيته وحدها تنير القلب، وتحرك الصلاح في النفس، وتحبب بالدين، وتذكر بالله تعالى.

 

قال الامام ابن الجوزي (رحمه الله تعالى) في كتابه (صيد الخاطر) 303:2: ((قد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته)). انتهى.

 

وقال أبوطالب المكي في (قوت القلوب): (وقد كانوا يقصدون الأمصار للقاء العلماء والصالحين، للنظر إليهم، وللتبرك والتأدب بهم). انتهى.

 

وجاء في كتاب (مناقب الامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى) لابن الجوزي ص 210، في الباب35: (قال أبو العباس البردعي: سمعت الحسن بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد بن حنبل زهاء خمسة الآف أو يزيدون، أو أقل من خمس مائة يكتبون، والباقون يتعلمون من حسن الأدب، وحسن السمت.

 

وقال أحمد بن سلمان النجاد: سمعت أبا بكر بن المطوعي يقول: اختلفت إلى أبي عبدالله أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة وهو يقرأ (المسند) على أولاده، فما كتبت منه حديثاً واحداً، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه). انتهى.

 

وإليك أحد عشر نموذجاً من أولئك الذين كانت رؤيتهم تذكر بالله تعالى، وينتفع الناس بهديهم وسمتهم ومشاهدتهم، وها نحن الآن بعد أكثر من ألف عام نسمع أخبارهم سماعاً فننتفع بهم، فكيف بمن شاهدهم وجالسهم، نفعنا الله بعباده الصالحين:

 

1- كان التابعي الجليل عمرو بن ميمون الاودي الكوفي (رحمه الله تعالى) أدرك الجاهلية ولم يلق النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقدم مع معاذ بن جبل من اليمن فنزل الكوفة، وكان صالحاً قانتاً لله تعالى، حج واعتمر مائة مرة، قال تلميذه أبو إسحاق السبيعي: كان إذا رؤي ذكر الله تعالى، توفي سنة 75 (رحمه الله تعالى). من ترجمته في(تهذيب التهذيب) لابن حجر109:8 و(العبر) للذهبي 85:1 و(تذكرالحفاظ) له أيضاً65:1.

 

2- وكان التابعي الجليل والإمام الفقيه محمد بن سيرين البصري (رحمه الله تعالى) إذا ذكر الموت مات كل عضو منه. وكان إذا مر في السوق فما يراه أحد إلا ذكر الله تعالى. من كتاب (العلل ومعرفة الرجال) للإمام أحمد بن حنبل 20:1، و(تاريخ الإسلام )للذهبي194:4، و(تذكرة الحفاظ) له أيضاً78:1.

 

3- وكان الإمام الحسن البصري التابعي الجليل المتوفى سنة110 (رحمه الله تعالى) على شاكلة صاحبه الإمام ابن سيرين: إذا رؤي ذكر الله تعالى.

 

4- وقال جعفر بن سليمان: كنت إذا وجدت في قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع البصري كأنه ثكلى. من (تاريخ الإسلام) للذهبي 159:5. وهو تلميذ الإمام الحسن البصري، وأحد العلماء العباد والصلحاء الزهاد المجاهدين في سبيل الله، توفي سنة132 (رحمه الله تعالى).

 

5- وكان الإمام الحافظ هشام بن حسان القردوسي البصري المتوفى سنة 148 (رحمه الله تعالى) من البكائين العابدين، أحضر إلى بابه الجمل والزاد والسفرة ليحج، فشق ذلك على أمه وأخذها مثل الرعدة، فبطل سفره للحج من أجلها، فلما توفيت كان لا يدع الحج، وكان يديم الصوم سوى يوم الجمعة من أجل أمه، فلما ماتت سرد الصوم، قال حماد بن سلمه: كانت رؤية هشام بن حسان تبكي. انتهى من (تذكرة الحفاظ) 163:1.

 

6- وجاء في ترجمة المحدث الثقة عبدالله بن شوذب الخراساني البلخي المتوفى سنة156 (رحمه الله تعالى): سكن البصرة، ثم بيت المقدس، قال تلميذه كثير بن الوليد: كنت إذا نظرت إلى عبد الله بن شوذب ذكرت الملائكة. من (تهذيب التهذيب) 255:5.

 

7- وجاء في ترجمة عبد العزيز بن أبي رواد المكي، المتوفى سنة 159 (رحمه الله تعالى): قال عبدالله بن المبارك فيه: كان يتكلم ودموعه تيسل على خده. وقال تلميذه شعيب بن حرب: كنت إذا نظرت إلى عبدالعزيز بن أبي رواد رأيت كأنه يطلع إلى القيامة. أي ينظر إلى أهل القيامة وهم فيها. من (تهذيب التهذيب) 338:6 و339.

 

8- وجاء في ترجمة الإمام مالك بن أنس عالم المدينة وإمام المذهب المالكي المتوفى سنة 176 (رحمه الله تعالى): قال مصعب بن عبدالله: كان مالك إذا ذكر النبي(صلى الله عليه وسلم) عنده تغير لونه وانحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون، كنت آتي محمد بن المنكدر وكان سيد القراء -أي سيد العلماء- لا نكاد نسأله عن حديث إلا بكى حتى نرحمه.

ولقد كنت آتي جعفر بن محمد –هو الإمام جعفر الصادق– وكان كثير المزاح والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي (صلى الله عليه وسلم) اخضر واصفر، وكنت كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر –وكان يجتمع عنده الصالحون ليقتبسوا من هديه وصلاحه– فأنظر إليه نظرة فاتعظ بنفسي أياماً. من (ترتيب المدارك) للقاضي عياض51:2- 52.

 

9- وجاء في ترجمة الإمام العابد الزاهد المحدث الفضيل بن عياض الخراساني ثم المكي المتوفى سنة 187 (رحمه الله تعالى): قال إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل: مارأيت أحداً كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذكر الله عنده، أو سمع القرآن ظهر به الخوف والحزن، وفاضت عيناه فبكى حتى يرحمه من بحضرته. قال خالد بن رباح: قال لي عبدالله بن المبارك: إذا نظرت إلى الفضيل جدد لي الحزن ومقتّ نفسي! ثم بكى. من (تهذيب التهذيب) 296:8.

 

10- وجاء في ترجمة الحافظ الإمام القدوة العابد الناسك عبدالله بن داود الخريبي الكوفي، المتوفى سنة 213 (رحمه الله تعالى)، قول الإمام العابد محدث العراق وراهب العراق وكيع بن الجراح: النظر إلى وجه عبدالله بن داود عبادة. من (تذكرة الحفاظ) 338:1.

 

11- وجاء في ترجمة العبد الصالح والإمام المحدث الخاشع عبدالله بن مسلمة القعنبي المدني ثم البصري، المتوفى سنة 221 (رحمه الله تعالى)، الذي قال فيه الإمام مالك –لما قيل له قدم القعنبي إلى المدينة– قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، جاء في ترجمته أنه كان إذا مر بمجلس يقولون لا إله الا الله. من (تذكرة الحفاظ) 383:1.

 

ومثل هؤلاء السادة في رجال السلف غير قليل، وما أجمل ما قيل فيمن كان من هذا القبيل:

إذا سكن الغدير على صفاء          وجنب أن يحركـه النسـيم

بدت فيه السـماء بلا امتراء          كذاك الشمس تبدو والنجـوم

كذاك (وجـوه) أرباب التجلي          يرى في صفوها الله العظيـم

 

وأما قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (وزاد في علمكم منطقه). فقد قال الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه): لَمجلس كنت أجالسه عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) أوثق في نفسي من عمل سنة.

 

قال عمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنه): لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلي من الدنيا وما فيها. وقال أيضاً: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع تحرّيك وشدة تحفظك؟ فقال: أين يذهب بكم؟! والله إني لأعود برأيه وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف، إن في المحادثة –يعني له ولمثله– تلقيحاً للعقل، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهم، وتنقيحاً للأدب. انتهى. وقد صدق رضي الله عنه.

 

وما أصدق ما قيل:

ومـا بقيـت من اللذات إلا          محادثة الرجال ذوي العقول

 

ينظر **** رسالة المسترشدين للامام المحاسبي****

**بتحقيق الشيخ عبد الفتاح ابو غدة**

دار البشائر الاسلامية

بيروت – لبنان

طبعة – 11/2005

 

 

 

((أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ)) الأنعام٩٠
حكي أن السلطان محمد الغازي (رحمه الله تعالى) دخل على الشيخ أبي الحسن الخرقاني لزيارته، وجلس ساعة ثم قال: يا شيخ، ما تقول في حق أبي يزيد البسطامي؟ فقال الشيخ: هو رجل من رآه اهتدى واتصل بسعادة لا تخفى. فقال محمد: وكيف ذلك وأبو جهل رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يتصل بالسعادة، ولم يتخلص من الشقاوة؟ فقال الشيخ في جوابه: إن أبا جهل ما رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وإنما رأى (محمد بن عبد الله) يتيم أبي طالب، ولو رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لخرج من الشقاوة ودخل في السعادة. ثم قال الشيخ: ومصداق ذلك: ((وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)) الأعراف١٩٨

****من تفسير روح البيان****

نقلا من روائع اليمان ******

**لمحمد ابراهيم الهسنياني**

صفحه – 4

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته