25/4/2011

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو من الله أنْ تكونوا بخير وعافية ويتقبل منكم صالح الأعمال.. آمين يا رب.

سيّدي الشيخ، لدي سؤال: من المعلوم لديكم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد تكلّم في شأن بناء القبور وقد قال: (خير القبور الدوارس). فأسأل حضرتك ما هو حكم بناء القباء على الأضرحة وتحديد القبور بالحجر للصالحين أو غيرهم؟ وإنْ كانت مباحة أو مستحبة فما درجة الاستحباب؟ وإنْ كانت مكروهة فما درجة الكراهة فيها؟ وهل هناك أقوال عن الصحابة في هذا الشأن أو من السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين؟

جزاكم الله عنا خير الجزاء.

ولكم جزيل الشكر سيدي الكريم.

 

الاسم: أبو فائق

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على دعائك الطيّب ولك بمثله. وبعد:-

فإنّ لفظ (خير القبور الدوارس) الذي نسبته إلى سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه هو كما ذكر صاحب كشف الخفاء بأنّه:-

(مشهور على الألسنة، وليس معناه بظاهره صحيحًا، فإنّه يسنّ أنْ يجعل على القبر علامة ليعرف بها فيزار).

كما روى أبو داود رحمه الله تعالى أنّه:-

(لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ أَمَرَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِى).

والدوارس جمع دارس وهو: المندرس الذي ليس له أثر يعلو الأرض.

وهذا ينافي ويناقض ما ثبت في سنّة سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بما يؤكد على ضرورة إظهار القبر للناس لأجل أنْ يتجنبوا الجلوس عليه، أو الصلاة إليه، والاتكاء عليه، المنهي عنهنّ كما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى:-

(لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ)

وعن سيّدنا عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه قال:-

(رَآنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكَأً عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ – أَوْ لَا تُؤْذِهِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.

وما جاء من الأمر بزيارة القبور، فقد رغّب حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين في زيارة المقابر لما فيها من أثر عظيم في تربية المؤمن وارتباطه بالآخرة واستئناس صاحب القبر بالزائر كما ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الروح)، فقد نقل حديثًا عن ابن عبد البرّ رحمه الله جلّ في علاه أنّه قال:-

(ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ أَخِيْهِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوْحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ)

ونقل عن ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في (كتاب القبور: باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:-

(قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ رَجُلٍ يَزُوْرُ قَبْرَ أَخِيْهِ وَيَجْلِسُ عِنْدَهُ إِلَّا اسْتَأْنَسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُوْمَ)

فكيف يتحقق هذا إنْ لم يكن القبر معلومًا وظاهرًا؟ وهذا خلاف معنى الدوارس!.

أمّا في جواب حكم بناء القباء فهذا يتعلّق بموضوع البناء على القبور سواء كان مسجدًا أو ضريحًا أو بيتًا ففيه تفصيل للفقهاء رحمهم الله تعالى يدور ما بين الحِلِّ والحرمة والكراهة، ولا يسع المجال ذكر أقوالهم هنا، وهي مدونة في كتب الفقه، ولكن يُستنتّج من أقوالهم رحمهم الله عزّ وجلّ على تعددها أمران:-

الأول: أنّ النهي ليس متعلقًا بنفس البناء وإنّما لعلّة تقتضي تحريم أو كراهة البناء، ودليل ذلك في قول الله سبحانه:-

{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [سورة الكهف: 21].

والذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون على الصحيح، لأنّ المسجد إنّما يبنيه المؤمنون.

والشاهد في هذه الآية إقرار الله تعالى على ما قالوا وعدم ردّه عليهم كما هو الحال عند عدم رضاه سبحانه عن أمر كما في قوله عزّ شأنه:-

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة الأنعام: 136].

فإنّه سبحانه أشار إلى فساد ما اعتقدوا بقوله {بِزَعْمِهِمْ} وبقوله {سَاءَ مَا يَحْكُمُوْنَ}.

وكذلك ممّا هو معلوم أنّ قبر سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم وصاحبيه سيّدنا أبي بكر الصديق وسيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في داخل بناء، ولمّا كان حكم دفن الميت داخل البناء جائزًا كما عُلِمَ فلا فرق بين أنْ يكون البناء قبل الدفن أو بعد الدفن، لأنّ الصورة واحدة وهي وجود قبر داخل بناء، وإذا جاز ذلك فلا فرق بين أنْ يكون البناء بيتًا أو قبّةً أو مدرسةً أو ضريحًا، وبالتالي فحديث النهي عن البناء الذي رواه الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا عن سيدنا جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-

(نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ)

هو مخصوص بالمساحة التي فوق القبر لا حوله.

أمّا حديث سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه الذي قال فيه لأبي الهياج حيان بن حصين الأسدي رضي الله عنه:-

(أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَّا تَدَع تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ -وَفي رواية- وَلَا صُوْرَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا).

فهذا على ما ذكر على الصحيح أنّه يتعلّق بقبور المشركين التي كانوا يقدّسُونها في الجاهلية وفي بلاد الكفار التي افتتحها الصحابة رضي الله تعالى عنهم بدليل ذكر التماثيل.

أمّا ما صحّ عن سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنه قال:- (قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) وما جاء في السنن الكبرى للإمام البيهقي رحمه الله تعالى:-

(وقال أَخْرَجَهُ الإمامان الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم رحمهما الله تعالىٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ رضي الله تعالى عنه:-

(أنَّ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرْنَ مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرِهَا قَالَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ).

وما صحّ عن عبد الله بن الحارث النجراني رضي الله تعالى عنه قال:-

(حَدَّثَنِي جُنْدُبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوْتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُوْلُ: إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُوْنَ لِي مِنْكُمْ خَلِيْلٌ، فَإِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيْلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيْمَ خَلِيْلَا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيْلًا لَاتَّخَذْتُّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيْلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوْا يَتَّخِذُوْنَ قُبُوْرَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيْهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوْا القُبُوْرَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)

فالنهي في هذه الأحاديث لا يتعلّق ببناء المساجد وإنّما باتخاذ القبور قبلة فيسجدون لها، ويتخذونها عبادة وشركاء مع الله تعالى والعياذ بالله عزّ وجلّ، ودليل ذلك أنّهم كانوا يتخذون فيها صورًا وتماثيل فيعبدونها من دون الله سبحانه، والدليل الآخر أنّ حضرة النبي عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام دعا الله جلّ في علاه أنْ لا يتخذ قبره وثنًا يُعْبَد من دون الله تعالى كما كان اليهود والنصارى يفعلون مع أنبيائهم وصالحيهم فقال:-

(اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) الإمام مالك رحمه الله جلّ وعلا في الموطأ.

ونحن نعلم أنّ دعاء سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه مستجاب، فالملايين يتوافدون عليه ولكنّهم لا يسجدون له.

والثاني: أنّ المقابر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:-

أوّلًا: المقابر العامة، وفيها لا يجوز البناء الذي يتجاوز على الحقّ العام ممّا يسبّب التضييق على المسلمين.

ثانيًا: المقابر الموقوفة، وهي متعلّقة بشرط الواقف، فلا يجوز البناء إلّا بإذنه.

ثالثًا: المقابر الخاصّة أو المملوكة، وهذه يجوز فيها البناء بإذن مالكها. وهذا غالبًا ما يتعلّق بمقابر الأنبياء عليهم الصلاة السلام، والأولياء والعلماء والصالحين رضي الله سبحانه عنهم حملًا على الإكرام لهم، وإحياء زيارتهم، والتبرّك بهم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى وسلّم وبارك على خير الخلق، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه المتبعين للحقّ.