9/5/2011

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

س: البعض من السالكين وبحسن ظنّه بمرشده يعتقد خطأ أنّ المرشد مطّلِع على كلّ تصرّفات السالك، ويعلم بكلّ ما يقوم به السالك من عمل، ممّا جعل البعض من المنكرين ومَنْ في قلبه مرض يستغلّ هذا الاعتقاد الخاطئ فيطعن بعقيدة المرشد والمنهج الحقّ الذي نحن عليه الموافق لكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم والحمد لله رب العالمين.

سيّدي الحبيب: أرجو توضيح هذه المسألة لتوجيه السالكين إلى العقيدة الصحيحة.

وجزاكم الله عنّا خير الجزاء.

 

الاسم: أبو زيد

 

الـرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حسن الظنّ بالمسلم مطلوب فكيف بالمرشد، ولكن لا يصل حسن الظنّ إلى الاعتقاد أنّه يعلم الغيب الذي هو من صفات الخالق جلّ وعلا القائل:-

{وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 20].

فيجب على السالك أنْ لا يغالي في نظرته لمرشده ويقف عند حدود العقيدة السليمة، وعلى السالكين أنْ يكفّوا عن الحديث في هذه المواضيع، فأكثر ما يؤتى المنهج الشريف من مثل هذه الأبواب، ويتوجهوا لتحسين العمل والدعوة إلى الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا، ومحاسبة أنفسهم فيما بايعوا مرشدهم عليه، ولكن قد يفتح الله عزّ وجلّ على قلب المرشد بحيث يشعر بجانب مضيء أو مظلم من السالك تبعًا للمناسبة الروحية التي جسّدها السلوك والرابطة، فيقوم المرشد بالتحقق ممّا يشعر به، فإنْ تأكّد له أنّ السالك في وضع يحتاج إلى تقويم فيبادر إلى ذلك، وهذا من واجباته، وهو نوع من التواصي الذي أُمرنا به، قال عزّ من قائل:-

{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} سورة العصر.

 

وهذا الإحساس يشبه العلاقة القلبية للأم بولدها، حيث تشعر بعض الأمهات بانقباض قلبي عند حدوث مكروه لولدها أو لكربة مرّت به، ولو يتأمّل كلّ منّا لتذكّر حادثة أو أكثر سمعها أو كان شاهدًا عليها لأمّ حصل لها الذي ذكرته، يضاف إلى هذه النسبة الفطرية: النور الذي في قلوب المؤمنين بشكل عام، وورّاث حضرة المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الصدق والوفا بشكل خاص.

(وَهَذَا سَيِّدُنَا عُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ رَأَى امْرَأَةً فِي الطَّرِيق فَتَأمَلَ مَحَاسِنَهَا فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدُكُمْ وَأَثَرُ الزِّنَا ظَاهِرٌ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقُلْتُ: أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ تَبْصِرَةٌ وَبُرْهَانٌ وَفَرَاسَةٌ صَادِقَةٌ) الروح ص240.

وهذا الشعور عند المرشد يدخل أيضًا في باب الكرامة التي أجمع المسلمون على الاعتقاد بها لورود النصوص الشرعية، ومنها ما حكاه ربّنا عزّ وجلّ عن أصحاب الكهف رضي الله تعالى عنهم، وعن سيدتنا مريم عليها السلام:-

{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [سورة السيّدة مريم عليها السلام: 25].

وكذلك ما ورد في كثير من الآثار الشريفة، منها قصّة سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه التي يرويها أسلم ويعقوب ونافع مولى سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله سبحانه عنهم:-

(أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ الْجَبَلَ! فَلَمْ يَدْرِ النَّاسُ مَا يَقُولُ حَتَّى قَدِمَ سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كُنَّا مُحَاصِرِي الْعَدُوِّ، فَكُنَّا نُقِيمُ الْأَيَّامَ لَا يَخْرُجُ عَلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ نَحْنُ فِي خَفْضٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهُمْ فِي حِصْنٍ عَالٍ، فَسَمِعْتُ صَائِحًا يُنَادِي بِكَذَا وَكَذَا: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ الْجَبَلَ! فَعَلَوْتُ بِأَصْحَابِي الْجَبَلَ، فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا) البداية والنهاية (10/175).

ولكن ليس معنى ذلك أنّه دائم الاطلاع، لأنّه حينئذ يدخل في علم الغيب كما ذكرت سابقًا، إضافة إلى أنّ مِنْ حِكَم الله عزّ شأنه في عدم تمكين أيّ إنسان الاطلاع على أفعال غيره بصورة دائمة هي ستر الله جلّ في علاه للعباد، وحفظ كرامتهم وعوراتهم، كيف لا وهو جلّ جلاله حَيِيٌّ سِتِّيْرٌ يُحِبُ السِّتْرَ.

والله جلّت حكمته أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.