14/5/2011
السؤال:
بسم الله، الحمد لله، وصلى الله على محمد وآل محمد.
سيدنا الشيخ: تحية طيبة، ما حكم من قال (يا محمد شافني من مرضي) أو (أريد ولدًا) مع أنّه يعتقد أنّ الشافي والرازق هو الله؟
وشكراً
الاسم: زيد الدمشقي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
طلب الحاجات من الأحياء والاستغاثة بهم مشروع إذا كان في طاقة الإنسان التي أقدره الله جلّ جلاله عليها من دعاء أو شفاعة أو ما شاء من تصرّف، كما ثبت ذلك في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، فممّا جاء في الكتاب قوله عزّ من قائل:-
{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [سورة القصص: 15].
وأمّا ما جاء في السنّة الشريفة فهو كثير، ومن ذلك ما جاء عن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال:-
(جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيُّ يَصْطَبِحُ وَأَنْشَدَهُ:-
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيًّا مَرِيعًا غَدَقًا طَبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَايِثٍ نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ تَمْلَأُ بِهِ الضَّرْعَ وَتُنْبِتُ بِهِ الزَّرْعَ وَتُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ يَدَيْهِ إِلَى نَحْرِهِ حَتَّى أَلْقَتِ السَّمَاءُ بَأَوْرَاقِهَا وَجَاءَ أَهْلُ الْبِطَاحِ يَعُجُّونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْغَرَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ السَّمَاءِ حَتَّى أَحْدَقَ بِالْمَدِينَةِ كَالْإِكْلِيلِ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ أَبُو طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيًّا قَرَّتْ عَيْنَاهُ، مَنْ يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ؟ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:
—
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ في علاه.
واللجوء إلى حضرات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين رحمهم الله سبحانه لا يقتصر على الحياة الدنيا بل حتّى في الآخرة يوم القيامة، فمع أنّ الموقف أعظم ويتطلب اللجوء إلى الله عزّ وجلّ وحده بحكم الحال، ولكن النّاس أوّل ما يلجؤون إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ ذكره.
فكذا يجوز اللجوء إلى الأموات من أهل الخير والصلاح كالأنبياء عليهم السلام والصالحين في طلب الحاجات والاستغاثة، والذي يتعلّق به السؤال. إذ ثبت أنّ الميت يسمع ويتكلّم في عالمه البرزخي، قَالَ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ) الإمام البزار رحمه الله الغفّار جلّ وعلا.
ولقد ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى:-
(وأبلغ من ذَلِك أَن الْمَيِّت يعلم بِعَمَل الحيّ من أَقَاربه وإخوانه، قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: حَدَّثَني ثَوْر بن يزِيد عَن ابراهيم عَن أَبى أَيُّوب قَالَ: تعرض أَعمال الْأَحْيَاء على الْمَوْتَى فَإِذا رَأَوْا حَسَنًا فَرِحُوْا وَاسْتَبْشَرُوا وَإِنْ رَأَوْا سُوْءًا قَالُوا: اللَّهُمَّ رَاجع بِهِ) الروح ص7.
ولقد فقه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين هذه الحقيقة، وكانوا يستغيثون بسيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وهو في عالمه البرزخي.
ومن ذلك ما روى الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن سيّدنا مالك الداري رضي الله تعالى عنه قَالَ:-
(وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَسْقِ لأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْتَقِيمُونَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيْك الْكَيْسُ، عَلَيْك الْكَيْسُ، فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَبَكَى (سَيِّدُنَا) عُمَرُ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ لاَ آلُو إلاَّ مَا عَجَزْت عَنْهُ).
ومنها ما رواه الإمام الطبراني وصحّحه عن سيّدنا عثمان بن حنيف رضي الله سبحانه عنه:-
(أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَشَكَى ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي وَتُذَكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ حَتَّى أَرْوَحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأَذْكُرُهَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَى إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَتَصَبَّرْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ، قَالَ ابْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ)
وعن عبد الرحمن بن سعد رحمه الله تعالى قال:-
(خَدِرَتْ رِجْلُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه في الأدب المفرد.
ومن ذلك ما ذكره الحافظ المحدّث ابن كثير رحمه المولى القدير جلّ جلاله في ذكر معارك الردة:-
(ثُمَّ نَادَى بِشِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: يَا مُحَمَّدَاهْ) البداية والنهاية (9/469).
فلا مانع من مناداة الأموات من أهل الخير والصلاح لأجل الدعاء منهم والاستشفاع بهم لقضاء الحاجات كما في حال طلبه من الحيّ، إذ لا فرق شريطة أنْ لا يعتقد أنّ المُنادى سواء كان حيًّا أو ميتًا له تأثير في الكون باستقلاليته، ولا أنه يُنَادى ويُدعى كما يُدعى الله تعالى، لأنّ الاعتقاد أنَّ هذا النبيّ أو ذلك الوليّ يَمدّ ويُغيث كما يَمدّ ويُغيث الله تعالى على حدّ سواء شرك والعياذ بالله تعالى.
والذي أنصح به أنْ يترك المسلمون هذه الألفاظ الموهمة ويتوجهوا إلى الله سبحانه وتعالى، ذاكرين في دعائهم التوسّل بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم بشكل واضح، فمثلًا يقول المستغيث أو الداعي:-
(اللهم إنّي أسألك بجاه سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم)
وذلك خروجًا من الخلاف، وحرصًا على وحدة المسلمين، وامتثالًا لأمر سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين إذ قال:-
(دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
وقد قدّر الله سبحانه (للفقير) التشرّف بشيخه حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه وعنده رجل من المسلمين، فقال لحضرته:-
يا شيخ، كانت زوجتي في وضع صحيّ حرج، وكانت تستغيث بك، فقال حضرة الشيخ له: أنا وأنت والشيخ سعد الله وزوجتك نقول يا الله.. يا الله.. يا الله.. ومدّ رضي الله تعالى عنه وعنكم صوته باسم الجلالة. هذا هو الأولى.
والله جلّت قدرته أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.