14/5/2011

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سيدنا الشيخ الكريم: نفع الله بكم، وحفظكم، وسددكم، وجزاكم كلّ خير.. آمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤال شيخي الكريم: هل يوجد من أحوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، أو من نصوص الكتاب والسنّة ما يبيّن الفرق بوضوح بين مَنْ يطلب الثواب وبين مَنْ يطلب وجه ربّ الأرباب؟ إذ كثر مثل هذا التفريق في كتب السادة الصوفية كرَّمهم الله وأعلى مقامهم ونفعنا بعلومهم وبركاتهم. أم أنّ الأمرين (طلب وجه الله تعالى مع طلب الثواب) هما شيء واحد وسلوك واحد، لكن لما نزلت همم الناس بعد ذلك بطلب مشتهياتهم مع غفلتهم عن حقيقة ما يرضي ربهم وحقيقة وجهتهم إليه: عند ذلك لامهم الأولياء وقالوا لهم ما قالوا، أم أنّه بالفعل: هناك أناس خلقهم الله لا يصلحون إلّا بطلب الثواب، وربما هم أصحاب اليمين، وأناس رقّاهم إلى طلب حبّ الله لله فقط لا لشيء ولا لغرض دنيوي ولا أخروي سوى الرضا والقرب، أم أنّ هذه حالة فقط تمر بالمؤمن من أصحاب اليمين إن شاء الله، ولكنها تلازم المقربين. ثم بعد ذلك ما هو الواجب علينا من السلوك والعمل وحال الفقير أسوأ الأحوال ومع هذا يتمنى منازل الرجال: دعوى أنّ العمل حبًّا لله تعالى فقط سيكون دعوى عن قلب فارغ! خاصة إذا أعرض عن أنْ يشجّع نفسه بذكر الثواب لأنّه منزلة أقلّ من منزلة مَنْ يطلب وجه الله فقط، وربما هم أصحاب المعارف الكبيرة والأحوال العظيمة، فحينذاك قد لا يحصل على هذا ولا ذاك، أو يقف عند طلب الثواب، لكن في ذهنه أنّ العمل لا للثواب فقط، وإنّما هو لوجه الله تعالى، يثيب بصدق وعده وجميل كرمه.

آسف شيخي على الإطالة والتعالم بسبب قراءة كتب أهل الفضل وإنْ لم أتحقق بعشر معشارها عملاً ولا حالاً، ولكن المريض قد هكذا يعرض حاله على الطبيب..

فأفيدوني تكرّمًا مأجورين بفضل الله.. آمين، ولو على البريد الخاص.

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، والحمد لله ربّ العالمين.

 

الاسم: أحمد

 

الـرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله سبحانه فيك على كلماتك الطيبة ودعائك المبارك ولك بمثله.

بدءًا أقول:-

إنّ في زمن صدر الرسالة كان الذين مع سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه على تفاوت في أحوالهم، وقد أعطى القرآن العظيم بعض الصور عنهم عبر آياته، منها قوله عزّ شأنه:-

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 152].

ويؤكد ذلك التفاوت قوله عزّ وجلّ:-

{هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 163].

وما جاء في الحديث الصحيح عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-

(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الرَّجُلُ ‌يُقَاتِلُ ‌لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

وما ذكرتَه في سؤالك من أحوال واحتمالات واردة وقائمة، والذي أنصح به ما يلي:-

ينبغي على المسلم أنْ يتوجه بعمله لله سبحانه امتثالا لقوله:-

{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف: 110].

وقوله عزّ وجلّ:-

{وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [سورة الليل: 17 – 21].

وكذلك قوله جلّ جلاله:-

{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سورة الكهف: 28].

فإذا تحققت هذه النيّة فلا بأس أنْ يتطلّع إلى فضل الله جلّ في علاه وجوده سواء كان دنيويًا أو أخرويًا، لقوله تعالى:-

{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة السجدة: 16].

وقوله جلّ وعلا:-

{وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [سورة النساء: 32].

وقوله عزّ من قائل:-

{وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة القصص: 73].

وهناك أحوال لا تؤثر فيها الدوافع لطلب ثمراتها لأنّ الله سبحانه هدانا إليها، كأنْ يقرأ الإنسان آيات الشفاء طلبًا للشفاء، ومنها:-

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} [سورة الإسراء: 82].

وكذلك:-

{— قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ —} [سورة القصص: 44].

أو يقرأ آيات السعة في الرزق، أو كشف الهمّ والغمّ كقوله عزّ شأنه حكاية عن سيّدنا يونس عليه السلام:-

{لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 87 – 88].

وقوله تعالى حكاية عن سيّدنا نوح عليه السلام:-

{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [سورة سيّدنا نوح عليه السلام: 10 – 12].

لأنّ الأخذ بهذه الهدايات يمثّل التوجّه لربّ الأرض والسماوات، ويجسّد التصديق بوعده سبحانه الذي لا يُخلَف.

ومِمّا يُعاب على الإنسان أنْ يغفل عن ابتغاء وجه الله جلّ حلاله ولا يكون له قصد إلّا الدنيا، فهذا لا نصيب له في الآخرة كما نصّت الآية الكريمة:-

{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [سورة الشورى: 20].

ثمّ لا أشك أبدًا أنّ مَنْ سار على منهج الله تبارك في علاه بصدق وإخلاص، وجاهد نفسه، أنّ الله جلّ وعلا يكرمه عاجلًا أو آجلًا بمقام المحبّة، فتسقط تلك الدوافع وتبقى النيّة الخالصة في ابتغاء وجه الله عزّ وجلّ القائل:-

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه في الحديث القدسي عن ربه عزّ وجلّ:-

(‌مَنْ ‌عَادَى ‌لِي ‌وَلِيًّا ‌فَقَدْ ‌آذَنْتُهُ ‌بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ —) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.