1/6/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س: شيخي الحبيب، بعض الأحباب قد يقع في أخطاء من ترك صلاة الجماعة مثلاً لعدم الرغبة في مخالطة أو مجالسة البعض من الناس، وإذا قيل له لم لا تخبر حضرة الشيخ لأجل أن يجد لك حلاّ فيقول إني أستحي الاتصال به وطرح مثل هذا الموضوع، غير أنني اتصل به روحياً وأشكو له حالي، هذا وهو على هذا الحال منذ فترة طويلة، يعتمد على الاتصال الروحي وينتظر توجيهاً لذلك!!
فهل يصح هذا بهذا الشكل؟
وجزاكم الله عنّا خير الجزاء.
الاسم: محمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
إنْ كان عزوفه عن حضور صلاة الجماعة والاختلاط بإخوانه ناتجاً عن اعتقاده بفساد بعضهم فقد أخطأ، لأنه ظن نفسه خيراً من الآخرين، وقد قال بعض الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم: إنّ مَنْ يريد اعتزال النّاس يجب أنْ يعتقد أنّه يكفّ أذاه عنهم، ولو أنّه راجع سيرة حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لرأى أنّ مجلسه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام كان يحضره المنافقون وغيرهم، ومع ذلك لم يمنع ذلك الصحابة رضي الله سبحانه عنهم وعنكم من الحرص على حضوره.
أمّا عن طرح السالك لما يمرّ به على مرشده: فإنّ مبنى عمل المرء على الستر في طاعاته وكذلك في ذنوبه، ولا يجوز له أنْ يهتك ستر الله تعالى عليه امتثالاً لأمر سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
ولكن قد يشكو المسلم لأخيه المسلم بعض ما تنتابه من هواجس وأحاسيس كما ورد عن سيّدنا حنظلة رضي الله تعالى عنه إذ قال:-
(لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وكذلك شكوى بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم لحضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام كما روى ذلك سيّدنا أبو هريرة رضي الله سبحانه عنه قال:-
(جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
والحالة التي تستوجب أنْ يعرض السالك نفسه على مرشده هو أنْ تتمادى به الذنوب ولا يستطيع منها فكاكًا، فيلجأ حينئذ لمرشده كي يعينه ويرشده لتقويم نفسه، ولكن يجب أنْ يكون ذلك بالحديث المباشر شفاهًا أو كتابة، ولا صحّة لاعتقاده بإمكان بثّ شكواه روحيًّا، فنحن في دار الأسباب، فلا يجب أنْ يدع هذه التلبيسات تحول بينه وبين العلاقة الحقيقية مع مرشده، فعلاقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين في هذه الأمور لم تعتمد على الاتصال الروحي مع ما للعلاقة الروحية القوية بينه وبينهم، فكيف بنا ونحن نتشرّف بأنْ نكون ذرة تراب في نعالهم؟ رضي الله تعالى عنهم.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.