4/6/2011

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم يا شيخي الفاضل؟ إنْ شاء الله بألف خير..

شيخي أنا متزوج، وزوجتي تعاني من احتباس نفسي (الكآبة الدائمة)، علمًا أنّ زوجتي تصلّي وتصوم وتقرأ القرآن في كلّ الأوقات، ولديها معرفة لله سبحانه وتعالى. هذه الحالة يا شيخ قبل الزواج وزادت بعد الزواج، ما العمل يا شيخ؟ نرجو من الله أنْ يساعدك في حلّ هذه المشكلة ومساعدتنا، فما هو السبب أو الحلّ لهذه المشكلة أو هذه الحالة؟؟

 

الاسم: كرار

 

الـرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على سؤالك عنّى، أنا بحمد الله تعالى بخير وأدعو للجميع بالتوفيق.

الكآبة إمّا أنْ تكون بسبب ظاهر يتعلق بمعاناة الشخص وابتلائه في حياته، أو أنْ تكون مرضًا عضويًا لا يُعرف له سبب ظاهر.

فإنْ كانت من النوع الأوّل فعليك أنْ تساعدها في التخلّص منه، وتستعين بالتعرّف على تجارب الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم والذين مرّوا بنفس هذه الابتلاءات أو أشد ّمنها، وعليها أنْ تتعلّم أهمية الصبر وأجر الصابرين الذي ادّخره الله تعالى فقال:-

{…إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزمر: 10].

وأنصحها بالرقية الشرعية والاقتراب من أهل الخير والصلاح، فبصحبة الصالحين ينشرح الصدر ويقوى القلب.

كما أوجّهك أنْ تغيّر من رتابة حياتكما، كأنْ تأخذ إجازة وتذهب بها للسياحة حسب إمكانيتك، فقد حثّ الله عزّ وجلّ على السير في الأرض والتأمّل في خلقه وإبداعه سبحانه فقال:-

{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة العنكبوت: 20].

وأنْ تطالع في النصوص التي تبيّن حقيقة الدنيا، سواء كانت في الكتاب العزيز أو السنّة المطهّرة أو في التراث الإسلامي، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم:-

{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة يونس عليه السلام: 24].

ويقول سبحانه كذلك:-

{…أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [سورة التوبة: 38].

وقد وصف سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم حال الدنيا بقوله:-

(الدُّنْيَا مَلْعُوْنَةٌ مَلْعُوْنٌ مَا فِيْهَا إِلَّا ذِكْرَ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، أَوْ عَالمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ ذكره.

وبقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

ولله درّ الشاعر حين قال:-

إِنَّمَا الدُّنْيَا كِظِلٍّ زَائِـلٍ *** أَوْ كَضَيْفٍ بَاتَ يَوْمًا وَارْتَحَل

أَوْ كَحِلْمٍ قَـدْ رَآهُ نَـائِـمٌ *** فَـإِذَا مَـا ذَهَـبَ النَّـوْمُ بَـطَـل

وكذلك الشاعر الذي قال:-

هِيَ الدُّنْيَا تَقُوْلُ بِمِلْءِ فِيْهَا *** حَذَارِ حَذَارِ مِنْ بَطْشِي وَفَتْكِي

وَلَا يَغْـرُرْكُم مِنِّي ابْـتِسَامٌ *** فَـقَـوْلِي مُضْحِكٌ وَالفِعْلُ مُبْكِي

 

وأنصحها أنْ تنظر إلى مَنْ هم دونها فإنّها بهذا ستعظّم نعم الباري تبارك اسمه في عينها وتحمده عليها، وقد أرشدنا حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لذلك فقال:-

(انْظُرُوْا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوْا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.

وقد رأينا صورًا كثيرةً في هذه الدنيا تخبرنا بأنْ لا يطمئنّ الإنسان إليها، فكم من فقير أصبح غنيًّا، وكم من غني أمسى فقيرًا، ففي ذلك عبرة، وقد أمرنا خالقنا بعدم الركون والاطمئنان إليها قائلا:-

{فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [سورة سيّدنا لقمان عليه السلام: 33].

أمّا إذا كان ما تشكو منه ليس فيه سبب ظاهر وإنّما مرض عضوي فعليها مراجعة طبيب مختص ثقة يصف علاجًا لها وتلتزم به.

وأدعو الله عزّ وجلّ أنْ يمنّ عليها بشفاء عاجل إنّه سبحانه سميع الدعاء.

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.