14/6/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله،
سيدي الفاضل هل كلام الشيخ ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: (جلَّ ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئةً) دقيقاً برأيكم؟ أرجو التوضيح، لأنَّني سمعت من بعض الوعَّاظ هذا الكلام قاصداً به شحذ الهِمَم، فيفهم المستمع أن جزاءه سيعجل له في الدنيا قبل الآخرة، وإذا رأى أنَّ حياته ضاقت عليه وأجحفت به، خاف أن لا يكون ممَّن عامل الله عزَّ وجل!
الاسم: أبو عبدالرحمن
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
نعم هذا الكلام دقيق لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، فقد وعد الصالحين المتقين بحياة طيبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} النحل 97، فهذه الحياة الطيبة هي المجازاة النقدية، وينبغي أن ينتبه إلى أن مديات هذه الحياة الطيبة واسعة لا تحصرها صورة، فقد تكون الصورة الظاهرة لحياة أحدهم في ميزان الناس تدل على البؤس ولكن الله سبحانه وتعالى يمنح صاحبها طمأنينة فيسعده بالأنس والعكس صحيح، فكم رأينا وسمعنا في حياتنا عن أناس وسّع الله سبحانه وتعالى عليهم في الرزق ولكنهم من أشقى الأشقياء في واقع الأمر نعوذ بالله تبارك وتعالى.
ومن المعلوم أن استجابة الرب جل جلاله وعم نواله للدعاء تكون بصور ثلاث كما جاء في الحديث الشريف: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، فإمّا أن يعطي السائل سؤله كما أراد، أو أن يدفع عنه مصيبة قدرها له، أو أن يدخره له يوم القيامة، فكأن الحياة الطيبة أو هذه الصورة من الاستجابة تجسد الجزاء النقدي وتؤسس لمرحلة أبهى وأعظم مما سبق وذلك قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى*وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى*ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} النجم 39-41، فالجزاء الأوفى لا يدانيه شيء مما سبق في الدنيا، قال عز وجل: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ*مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} غافر 39-40، وقال كذلك: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران-عليهم السلام- 133، (وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةَ إِلا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَا تَرْجِعُ) الأئمة مسلم وابن ماجه والنسائي وغيرهم رحمهم الله تعالى، ولكن عليه أن يضع نصب عينيه وعد الله تعالى في قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..} غافر 60، فيجب على من يرفع يديه للدعاء أن يجزم فيه ويظن أن الله سيستجيب له ولا يكون في تردد أو شك في ذلك، فمتى أحكم ذلك فسيعيش حالة روحانية تطمئن فيها نفسه، ويبقى وقت وطريقة إنفاذ الوعد بيد من هو أعرف بمصلحته منه، فهو لحسن ظنه بالله عز وجل يعتقد أن طلبه نفذ بمجرد أن يمسح وجه بيديه، وهو راض بما قضاه الله سبحانه بتعجيل أو تأجيل الإجابة، وراض بقضاء الله تعالى بكل وقت وحين.
وأختم الجواب بقصة سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين قدم إلى مكة المكرمة وكان كفيفاً (فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا –وكان مجاب الدعوة- قال عبدالله بن السائب رضي الله عنه: فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم، فذكر ابن السائب حديثه معه، وفي آخره: فقلت له: ياعمّ أنت تدعو للناس، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك! فتبسم وقال: يا بُنيّ، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري) كتاب إحياء علوم الدين وكتب السير.
والله سبحانه وتعالى أعلم.