21/6/2011

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله العلي القدير أنْ يحفظكم ويعيدكم إلينا سالماً غانماً يا شيخنا الفاضل.

شيخنا العزيز أذكر لحضرتكم واقعة حصلت في بيتنا ولا أعرف هل أنا مخطئ أم مصيب، وأرجو من حضرتكم أن تعظني عسى الله أنْ يريني الحق ويعينني على اتباعه، ويريني الباطل ويعينني على اجتنابه.

القصة:

اشترت أختي سيارة وتركتها في بيتنا لكي يستعملها أخي، كونها وزوجها لا يجيدان السياقة، علماً أنَّ شراء السيارة تمّ بغير علم زوجها لأنّها تعلم أنّه لا يرضى بشراء سيارة لأنّه لا يوجد أحد في بيتهم يجيد السياقة، فبدأ أخي يستعمل السيارة، وبعد عدة أيّام ترك أخي السيارة بيد ابنه يذهب بها لأي مكان قرب أو بَعُدَ وكأنّها وسيلة تسلية، علماً أنّ ابن أخي يبلغ من العمر 16 سنة، وقبل فترة وأنا أمشي في الطريق وجدت قطة صغيرة جداً -مع العلم أنّي لا أحب القطط- وقلت في نفسي: سآخذها وأكسب بها أجراً، وعندما تكبر وتستطيع الاعتماد على نفسها آخذها إلى مكان بعيد وأتركها تأكل من خشاش الأرض، وبدأنا نشربها الحليب إلى أنْ كبرت قليلاً وأصبحت تستطيع الأكل بعض الشيء، وتعلّق بها أولادي وزوجتي ووالدتي، وبدؤوا يعاملونها كأنّها طفل في البيت، وبدأت تكبر، ومع كبرها يزداد لعبها مع الأطفال. وقبل أيّام رجعت إلى البيت وإذا بالأطفال يتصارخون، وأسرعت فإذا القطة مدهوسة بالسيارة في الكراج وميتة، فحملتها ورميتها في المزبلة، ولكن قلبي اعتصر وحزنت عليها، وذهبت إلى بيت أخي الذي يسكن معنا، وكان أخي وزوجته في الدوام، وقلت لابن أخي أنت أخرجت السيارة قبل قليل؟ قال: نعم. فقلت له: إنك دهست القطة وماتت، فبدأ بالحلف والقسم العظيم إنه لم يدهسها. فقلت له بغضب: لا تحلف بأنّك لم تدهسها، فقل إنّي لم أرها. وبدأ يزيد من القسم. وقلت له: إنّ الله “يشيلك ويطبك” لا تحلف. وقلت: أعطني مفاتيح السيارة. فلم يرض إلّا بعد أنْ هددته أنّني سأتصل بأبيه، فرمى المفاتيح في وجهي كأنّما يرمي حجارة ونبرة تنم على عدم الاحترام وقلّة التربية لأنّه لم يتلق من والديه التربية الصحيحة، بل تلقى الدلال وتلبية كافة رغباته بحجة أنّه مريض بتقرّح في الإثنى عشري وعلاجه يطول خمسة سنوات على رأي الأطباء ونسوا أنّ الله هو الشافي بلمح البصر.

فأخذت السيارة وذهبت بها إلى بيت أختي وأعطيتهم المفاتيح دون أنْ أتكلّم معهم، ورجعت إلى البيت وقررت أنْ أتكلم مع أخي وأقول له إنّه لا يجوز ترك السيارة بيد طفل، فاليوم دهس قطة وأخشى أنْ يدهس أحداً في الغد، ولكن ما هالني أنّ أخي عندما رآني كأنّما رأى عدواً له، فلم يسلّم عليّ ولم يتكلم معي، فتركته ولم أتكلم معه في الموضوع..

وأعتذر عن الإطالة.. وأرجو المساعدة..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الاسم: أبو يسر

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله سبحانه فيك على دعائك الطيب ولك بمثله.

كما تعلم فإنّنا لا نأمن من المشاكل في الدار الدنيا، ولكن علينا أنْ نُحكّم الشرع الشريف في كلّ ذلك، كي تبقى هذه المشاكل في حدودها الصغرى قدر الإمكان، فأصل الخطأ كان من أختك حين اشترت السيارة دون علم زوجها، خاصّة أنّهما لا يحسنان استخدامها، وكان الأفضل أنْ تنصحها بعدم فعل ذلك، وكان على أخيك أنْ لا يقبل تحمّل هذه المسؤولية إلّا إذا طلبا منه ذلك ليعينهما على قضاء مصالحهما، وخطؤه الثاني هو تسليمه هذه الأمانة لابنه، وأرجو أنْ يثيبك الله تعالى خيراً على رأفتك بالقطة، فالرفق بهذه المخلوقات يؤجر المرء عليها، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحيه وسلم:-

(الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) الإمام أبو داود رحمهم الودود جلّ جلاله.

ولكن كان يجب أنْ تقبل عذر ابن أخيك بعدم مسؤوليته عن دهسها، فربما لم ينتبه لها خاصّة أنّه أقسم على ذلك، والقاعدة الشرعية تقول:-

(البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ).

ومع ذلك فصبرك على أذى الأقربين له أجر عظيم، حيث وصف حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين حين شكى له رجل فقال:-

(يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقوله (وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ) أي يسيئون، والجهل هنا: القبيح من القول.

وقوله (تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ) المَلَّ هو الرَّمَاد الحارّ أي كأنّما تُطْعِمْهُمُوْهُ.

وقوله (ظَهِيْرٌ) أي معين ودافع لأذاهم.

بقي أنْ أوجهك بمحاولة وصل ما انقطع بينك وبين أقاربك، وتزيل أي التباس وسوء فهم بينكم.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.