5/7/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخي العزيز، نفعنا الله من بركات علومك الشريفة، وأمد لنا الله في عمرك.
يقول الله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}. وكما سمعت من حضرة الشيخ مصطفى كمال الدين بأنّ الآثام الباطنية هي أشدّ إثماً من الآثام الظاهرية، فكيف للعبد أنْ يتبصّر بهذه الآثام؟ وكيف يعالجها ويسيطر عليها؟ وهل ما ذكر الإمام الغزالي حين يتكلم عن العبد الذي يروم سلوك طريق الحق (لا بدّ لك من اتخاذ شيخ عارف بالله يدلك على عيوب نفسك) هو أحد الطرق للتخلص من هذه العيوب؟ أم هو هذا السبيل الحقيقي والوحيد للتخلص منها؟
وجزاكم الله خير الجزاء
الاسم: أبو فائق
الـرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على دعائك ولك بمثله.
لا بدّ من التذكير بضرورة توقير علماء وصالحي الأمّة رضي الله تعالى عنهم وعنكم عند ذكرهم وذلك بالترضّي عنهم أو الترحّم عليهم، فهذا أقلّ واجب تجاه ما قدموه لهذه الأمّة، قال الله عزّ وجلّ:-
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [سورة البينة: 7 – 8].
فالآية الكريمة تُعلّمنا الترضي عن الذين يخشون ربهم سبحانه:-
{ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}
والخشية ثابتة للعلماء الربانيين بنص القرآن الكريم، قال عزّ من قائل:-
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [سورة فاطر: 28].
أمّا عن جواب سؤالك:-
فللعبد أنْ يتبصّر بالآثام الباطنة بكثرة مراقبته لله جلّ في علاه، وعرض خلجات قلبه على ما نهى الله سبحانه عنه، ولا يتمّ ذلك إلّا بتحرّي الورع والتقوى في تصرفاته، وملازمة ذكر الله عزّ شأنه قدر الاستطاعة، قال ربنا جلّ وعلا:-
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [سورة الأعراف: 201].
فالآية الكريمة المتلوة تحدّد شرطين لتنبّه المسلم لنزغات الشيطان هما:-
التقوى، وذكر الله تعالى.
مع إنّ للنفس نصيبًا في هذه النزغات فهي في عمومها أمّارة بالسوء كما قال تعالى:- {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 53].
ومن طرق معالجة هذه النزغات مخالفة النفس والشيطان واتهامهما فيما يدعوان إليه، قال جلّ ذكره:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [سورة النور: 21].
وقال جلّ جلاله:-
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [سورة فاطر: 5].
وقال سبحانه:-
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [سورة النازعات: 40 – 41].
ورحم الله تعالى الإمام البوصيري حين قال:-
وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا *** وَإِنْ هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِـمِ
وأمّا قول سيّدنا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فهو حقّ، فإنّ الشيخ المرشد الحقّ، وأقصد به مَنْ له سندٌ موثوق موصول بحضرة خاتم النبيين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم، له دور عظيم في تبصير السالك بعيوب نفسه وآثامها الظاهرة والباطنة، فالمرشد يرث واجب التزكية التي كلّف الله تعالى بها خاتم أنبيائه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه في قوله:-
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الجمعة: 2 – 3].
ويتناسب ذلك مع حسن التزام السالك بتوجيه مرشده وثقته به، ولكنّه ليس الطريق الوحيد، فالمسلمون بصورة عامّة مطالبون بتنقية دواخل نفوسهم ومراقبة قلوبهم، إذ لا يتسنى للجميع لقاء مرشد رباني فضلاً عن مبايعته، فهم في كلّ الأحوال على خير عظيم إذا التزموا لما هدوا إليه.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.