2012/03/13
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلامي لحضرة الشيخ راجيًا من حضرته الدعاء لنا بالهداية وبالثبات عليها.
ولديّ سؤال وهو:
الأحوال عندما تضغط على الجسد والقلب كيف تصرف؟ وما علاجها؟ ما علاج النفس إذا هاجت من الأنوار؟
الاسم: أبو عبد الله
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
خير ما أجيب به طلبك هو دعاء سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.
وأمّا عن سؤالك فإنّ طرحه بهذه الصيغة فيه نظر، فالأحوال والأنوار لا يمكن وصفها بأنّها تضغط على القلب والجسد لأنّها ليست أمراضًا كي نفكّر بكيفية صرفها أو محاولة علاجها بل هي حياة لهما، وواجب على مَنْ يجدها أو يشعر بها شكر المولى جلّ وعلا.
والحال عمومًا هو في نطاق الشرع الشريف، فالعبادات المفروضة أو المندوبة إذا أدّاها المسلم بحضور قلب ولو بالحد الأدنى، أو الأشواق التي يجدها المسلم لربّه عزّ وجلّ، أو لحضرة نبيّه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فستنتج حالًا يجده في روحهِ وقلبهِ ينعكس على حسن تصرّفه يطول ذلك أو يقصر حسب همّة الشخص.
وقد ذكر الله جلّ جلاله في كتابه الكريم أحوال المؤمنين بصيغ عدة كقوله عزّ شأنه:-
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة السجدة: 16].
فدعاؤهم خوفًا وطمعًا يدخل ضمن الأحوال، وهذا وصف لتلبّسهم بالعبادة التي هي من صفات الإيمان، وهذه الآية الكريمة تخصّ بالذكر قيام الليلِ ولم تذكر الفرائض لأنّها حاصلة بالتأكيد لمَنْ يهجر مضجعهُ ليقوم خاشعًا لله ربّ العالمين جلّ ثناؤه.
وكذلك قوله عزّ وجلّ:-
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [سورة الإنسان: 8 – 10].
فهذا الخوف من الله سبحانه الذي يدفعهم إلى المسارعة في الخيرات دون مقابل مادّيّ، أيضًا من الأحوال.
وتروي لنا السيرة النبوية المطهرة صورًا من أحوال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فقد سُئِلَت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها:-
(مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وعن سيّدنا مطرف بن عبد الله عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال:-
(أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.
فإذا فهم المؤمن نفعَ الأحوال وبركتها بقي عليه أنْ يضبط عبادته بضوابط الشرع الشريف، ومنها: عدم الإفراط، بحيث تملّ نفسه وتتعب عن المواصلة كما قال سيّدنا عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى) الإمام عبد الملك بن محمد البغدادي رحمه الله عزّ وجلّ في الأمالي.
وأنْ يراقب نفسه فيمنعها عن العجب إذا وردت عليه الواردات فهذا هو المرض المهلك الذي يجب علينا الانتباه له.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.