2012/03/13
السؤال:
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيكم سيدي حضرة الشيخ وفي جهودكم وجزاكم عنا خير الجزاء.
 
قص عليّ أحد أصحابي رؤيا ويلتمس منكم أن تعبروها له:
 
كنت أسير بجانب حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام على يمينه ولكن لم أنظر إلى وجهه عليه الصلاة والسلام. وجئنا نتفقد الصحابه رضي الله عنهم وكأنهم خارجين من معركة منتصرين ولكن متعبين ومنهم جرحى. فقد جئنا إلى أحدهم رضي الله عنه وإذا هو مصابٌ برجلهِ اليمنى وكانو يضمدوه بإحدى الرايات، حيث كانوا يلفون رجله بها ولاحظت مكتوب على ما تبقى منها قبل أن يتم لفها اسم الله فعرفت أنها راية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد قاتلت قتالاً عظيماً يا ابن العوام. فأجاب: يا الـــــهي لقد مدحني رسول الله، يقولها وهو فرح ومفتخر بها، ومضينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا سيدنا عمر رضي الله عنه أيضاً مصابا ومتكئا على بئر وإصابته بيده وكانوا من حوله رجال يقطعون خشبه كي يجبروا يده على أنها مكسوره. فسألت سؤالاً (هل سيدنا عمر أصيب في بدر وأحد؟) فأجابني صوت: نعم أصيب في بدر وأحد. وأعتقد أن الجواب كان من سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
 
علماً اني لم أسمع من قبل بان ابن العوام هو صحابي وهو الزبير ابن العوام بعد أن استفسرت عنه بعد يقضتي تبين انه الصحابي الجليل رضي الله عنه.
 
مع الشكر والتقدير،
 
الاسم: ابو فائق
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وفيك بارك الله تعالى وجزاك خيراً على دعآئك ولك بمثله،
 
أنصح من تشرف برؤية حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بما كان يفعله السلف الصالح رضي الله عنهم وعنكم وذلك بأن يشكر الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة كأن يتصدق بما يستطيع ويسجد شكراً لله عز وجل. أما عن تأويل هذه الرؤيا المباركة فإن عدم النظر إلى وجه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو من أدب الصحابة رضي الله عنهم فسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول (ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقتُ لأني لم أكن أملأ عيني منه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وتبين الرؤيا جهاد الصحابة رضي الله عنهم تحت راية نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام وتعاونهم فيما بينهم خصوصاً إذا أصيب بعضهم أو استشهد. وفي هذه الرؤيا إرشاد للأمة إلى التعاون والتلاحم كما أمرهم ربهم جل جلاله وعم نواله في قوله {…وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المآئدة 2. ولفّ الرِجل المجروحة بالراية المكتوب عليها إسم الله تعالى إشارة إلى أن التداوي والشفآء يكون باسم الله سبحانه وتعالى وبكلامه الذي هو القرآن الكريم بدلالة قوله عز وجل {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} الإسرآء 82، وشهادة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لسيدنا الزبير بن العوام رضي الله عنه حق حيث إنه من العشرة المبشرين بالجنة كما جآء في الحديث الشريف (أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وفي رؤية سيدنا عمر رضي الله عنه جريحاً تذكير بواقعة استشهاده رضي الله عنه وعن جميع صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهُم خير صَحب لخير نبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وجزاهم عن أمتهم خير الجزآء وحشرنا معهم تحت راية سيد الأنبيآء صلى الله تعالى وسلم عليه وعليهم أجمعين. فواجب علينا إستذكار مآثرهم والدعآء لهم وتوقيرهم إمتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى القآئل {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} الحشر9، 10. فالمسلمون في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاثة أصناف: المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم ثم المسلمون الذين يأتون من بعدهم الذين يدعون لمن سبقوهم إيماناً بالغفران ولقلوبهم بالسلامة من أي غل. فعلى كل مسلم أن يدخل في صنف من المذكورين في هآتين الآيتين الكريمتين ولا يسعه أن يشذ فمن شذ ففي النّار عياذاً بالله تعالى. فإن لم يكتب الله عز وجل له أن يكون من المهاجرين أو الأنصار رضي الله عنهم فليحرص أن يكون من الصنف الثالث وهذا هو أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين قال (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، ثَلَاثًا، مَنْ أحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ، فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ) الأئمة أحمد والترمذي وابن حبان وآخرون رحمهم الله تعالى. كيف لا وقد سبقت ذلك تزكية الله جل جلاله وعم نواله لهم في مواضع عدة من كتابه العزيز منها قوله عز وجل {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 100.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم.