2012/03/28

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أودّ أنْ أسألكم فضيلة الشيخ سؤالاً عن الابتلاء:

هل يبتلي الله الناس – وهو أعلم بهم – بحسب قدرتهم على التحمّل؟ فلا يبتلي مَنْ لا طاقة له على نوع معين من الابتلاء رحمة به؟ أم يبتليهم بأحبّ الأشياء إلى أنفسهم؟ فمَنْ أحبّ المال مثلاً ابتلاه بخسارة ماله، ومَنْ بالغ في محبّة ولده ابتلاه بأمر يصيبه؟ بارك الله فيكم ووفقكم.

 

الاسم: ليلى

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

الابتلاء مكتوب على الإنسان بشكل عام كما أخبر ربّنا عزّ وجلّ في عدة مواضع من كتابه العزيز منها قوله سبحانه:-

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 35].

وقد بيّنت الآية الكريمة أنّ الابتلاء لا يكون فقط فيما يكره الإنسان وإنّما كذلك فيما يحبّه وظاهره خير كالصحّة والمال والسلطان، وهو امتحان للإنسان ليرى ربُّه عزّ شأنه مدى التزامه بالشرع الشريف من خلال هذه الابتلاءات.

وقد حكى القرآن الكريم ابتلاء الله جلّ وعلا لسيّدنا إبراهيم عليه السلام فقال:-

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة: 124].

وقد قال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في ردّه على سؤال سيّدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال:-

(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاَءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.

وقد كانت حياة سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كلّها ابتلاء قبل البعثة الشريفة وبعدها. فولادته يتيمًا عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين ابتلاء لفقدانه الأب الرحيم الذي يحسن تربيته وتنشئته، وكذلك فقدانه لأمّه رضي الله تعالى عنها، ثمّ وفي أقسى ظروف الدعوة يفقد مَنْ كان له عونًا وسندًا أمّنا السيّدة خديجة رضي الله تعالى عنها وعمّه أبا طالب، ولا يتسع المجال لذكر كلّ هذه المحن التي مرّت بحياته صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، والحكمة من البلوى بشكل عام تكون إمّا للتكفير عن الخطايا أو لرفع الدرجات أو لإنفاذ أقدار الله تبارك اسمه في الأنام.

وفي كلّ الأحوال فالله جلّ جلاله وعمّ نواله لا يبتلي النّاس بما لا يطيقون وهو القائل جلّ وعلا:-

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [سورة البقرة: 286].

وعلى هذا فإذا فهمنا الابتلاء في دائرته الضيّقة التي يراه النّاس فيها وهي الدائرة السلبية في فَقْدِ عزيز أو محبوب فإنّ نسبة ممّا ذكرتي تكون صحيحة.

أمّا إذا فهمناه بمعناه العام وفي دائرته الشمولية في حياة الخلق فإنّه لا يوجد مخلوق بغير ابتلاء، أيّ بغير تكليف وأريد به إسناد الوظائف للخلائق.

وأسأل الله عزّ وجلّ أنْ يُثيبنا جميعًا ويعين الخلائق كلّها فيما كلّفهم فيه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.