16/9/2011
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة الشيخ أعزكم الله كيف نرد على من تراوده وساوس -والعياذ بالله- في العقيدة، يقول: إذا كان لا بُدّ للخلق من خالق يقول -أستغفر الله- فكيف بمن أوجد الخلق.

شيخنا نرجو الرد، وكيف يبتعد الإنسان عن تلك الوساوس، وكيف يصل الإنسان إلى درجة الإيمان الحقيقي القوي، وهل التصريح بتلك الوساوس مقبول للتخلص منها؟

نرجو الرد شيخنا مع الدعاء حفظكم الله.

 

الاسم: من عباد الله

 

الـرد-:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

خلق الله تبارك في علاه الإنسان وجعله مبتلى بالامتحان، ومنه الوساوس وأصل الوسوسة من الشيطان والنفس، فأوّل ما وسوس به الشيطان لسيّدنا آدم عليه السلام ما حكاه القرآن الكريم في عدّة مواضع، منها قوله جلّ جلاله:-

{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [سورة طه: 120-122].

وقال عزّ وجلّ:-

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16].

وقد أمرنا الله تبارك وتعالى أنْ نلوذ بجنابه فقال:-

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [سورة النّاس: 1 – 4].

فإذا ضعف الإنسان أمام الوسواس بسبب قلة ذكره لله جلّ في علاه وغفلته فعند ذلك يتنامى ويتضاعف.

فإذا لم يحصّن نفسه وانساق معه فعندئذ سيتحول إلى مرض نفسي بحيث يتمكن منه فيؤذيه، وهذا من مقاصد إبليس لأنّه العدو المبين للإنسان كما أخبر ربّنا سبحانه:-

{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً —} [سورة فاطر: 6].

وقال جلّ شأنه:-

{يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [سورة الأعراف: 27].

لذا فالانسياق مع الوسوسة تجسيد لفتنة الشيطان، ولن يأمن المسلم منها ما دام فيه روح، ولكن ليعلم أنَّ هذه الوساوس علامة للإيمان، فالشيطان لا يوسوس للكافرين بل للمؤمنين ليحاول حرف قلوبهم وتشويش عقولهم، وهذه مهمّته التي صرح بها للخالق جلّ وعلا بقوله:-

{فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [سورة الأعراف: 16].

إذ لا تجده إلّا في طرق الطاعة والعبادة.

وممّا يوسوس به الشيطان استدراج المؤمن بسؤاله من خلق كذا، ومن خلق كذا، ثمّ يقول ومن خلق الله؟ وهذا ما بينه سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم ووصف علاجه قائلًا:-

(يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُوْلُ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُوْلَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

أمّا التصريح به فلا يستحسن لأنَّ في ذلك إشاعة الريبة في قلوب يعتريها المرض أو ضعف الإيمان، ولا بأس بالتحدّث بها عند أهل العلم لاستشارتهم وأخذ توجيههم:- {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].

وممّا يعين على الاستقامة والوصول إلى درجة الصلاح والإيمان:-

التفكير بالكون والنظام الدقيق، فالتأمل بعجائبه يعين على رسوخ الإيمان واليقين، قال عزّ وجلّ:-

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 190 – 191].

والعلم واكتشافاته يقوّي في الإنسان قناعته بأنَّ هذا الكون العظيم وحسن إتقانه لا يمكن أن يكون إلا بصنع عليم قدير جل جلاله وعم نواله.

ومما يعين أيضاً الصحبة الصالحة والمحافظة على مجالس الخير كمجالس الذكر والعلم.
وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (131، 330) في هذا الموقع الكريم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.