2012/04/12

السؤال:

شيخي الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو من الله تعالى أن يمدكم بالخير والعافية في الدين والدنيا والآخرة وبعد،

شيخي الحبيب تنوعت وسائل الإيضاح مع تقدم العلوم والتكنولوجيا فبدأت تنحى منحاً جديداً وهي تجسيد بعض الشخصيات التاريخية من أنبياء ورسل عليهم الصلاة والسلام وصحابة كرام رضوان الله تعالى عليهم وشخصيات برزوا في التاريخ على شكل أفلام ومسلسلات تاريخية وفي مثل هذه الوسائل وأنتم أعرف سيدي تكون أكثر رسوخاً وتعايشاً مع الحدث. سيدي الفاضل ما الحكم الشرعي في متابعة هذه الأفلام والمسلسلات؟

الاسم: علي عمران

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله تعالى خيراً على دعآئك ولك بمثله،

التعريف بالسيرة الشريفة للأنبيآء عليهم الصلاة والسلام والصحابة رضي الله تعالى عنهم واجب شرعي يرتبط بواجب تبليغ دين الله عز وجل، واتخاذ وسآئل لإيصال ما حوته هذه السير والأحداث ضروري ولكن بشرط الإلتزام بضوابط منها عدم تمثيل الذوات الشريفة خاصة الأنبيآء عليهم الصلاة والسلام، فنحن نقرّ بأنهم عليهم الصلاة والسلام بشر ولكنهم في ذات الوقت ليسوا كباقي البشر، فلأن الله تعالى هيئهم لواجبات عظمية فقد أسبغ عليهم قدسية وحصنهم بالعصمة، وقد قال عز وجل {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف 110. فالله سبحانه أقرّ لأنبيآئه عليهم الصلاة والسلام خاصية الوحي بجانب صفة البشرية، فتجسيدهم في الأفلام يعني محاكاة شخصياتهم العظيمة بما تحمله من سجايا وأخلاق وروحانية لايستطيع أحد أن يوفيها حقها مهما كان على تقوى وورع وأي تقصير في هذا التمثيل يخلّ بنظرة هذا الجيل للأصل، فضلاً عن أن أكثر القآئمين بمهنة التمثيل غير ملتزمين بالدين وليس لهم الذوق المطلوب لنقل صورة هذه الذوات الشريفة للمتلقّي، وعلينا أن نعي بأن بعد النّاس عن الروحانيات التي كانت تزخر بها حياتهم بحيث كانوا ومن خلال ما يجدونه في الكتب وما يسمعونه من الرجال والنسآء يرون بقلوبهم وعقولهم أخلاق وروحانية هذه الشخصيات العظيمة، قال سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أتدرون أي أهل الإيمان أفضل إيماناً؟ قالوا: يا رسول الله الملائكة؟ قال: هم كذلك، و يحق ذلك لهم، و ما يمنعهم و قد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم. قالوا: يا رسول الله فالأنبياء الذين أكرمهم الله تعالى بالنبوة و الرسالة؟ قال: هم كذلك و يحق لهم ذلك، و ما يمنعهم و قد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم. قال: قلنا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: أقوام يأتون من بعدي في أصلاب الرجال فيؤمنون بي و لم يروني، و يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً) الأئمة البيهقي والبغوي والحاكم رحمهم الله تعالى. وقال عليه الصلاة والسلام (مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ) الأئمة مسلم وأحمد وابن حبان وآخرون رحمهم الله تعالى. ولازلنا ولله تعالى الحمد والمنة نشهد تعلق كثير من النّاس بحضرة خاتم النبيين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم وصحبه الكرام رضي الله تعالى عنهم دون حاجة لهذه الوسآئل، بل نرى كيف أن المسلمين من غير العرب أخلصوا لدينهم ودافعوا عنه ويتجشمون عنآء السفر للديار المقدسة، فلا يكاد يخلو بيت الله الحرام ومسجد نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وقبره الشريف منهم على مدار العام ليلاً ونهاراً، ونراهم كذلك يجتهدون لتعلم أمور دينهم بكل تفاصيله قدر استطاعتهم رغم جهلهم باللغة العربية و عدم فهمهم لآيات القرآن الكريم أو أكثرها ولكنه الروح ونور القلب هو الذي يحدو بهم إلى رضوان الله جل جلاله وعم نواله ويسوقهم إلى نعيم الإيمان وطمأنينة القلب،

فالواجب علينا أن نحيي هذه الملكات ونربي أولادنا عليها بكثرة تذكر هذه السير العطرة ونقلها إليهم كي تكون لهم خير أنيس في دينهم وذخراً لآخرتهم، فالله الكريم نسأل أن يجعلنا من الذين يودّون رؤيته عليه الصلاة والسلام بأهلنا ومالنا.

وأفضل من عبر عن خصوصية حضرة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وجمعه بين الصفات البشرية والنبوية هو الإمام البوصيري رحمه الله تعالى في بردته المباركة حيث قال:

دع ما ادعته النصارى في نبيهـــــــم
واحكم بماشئت مدحاً فيه واحتكــــــم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شـــرف
وانسب إلى قدره ما شئت من عظــــم

فإن فضـل رسول الله ليس لـــــــــــــه
حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفـــــــــــــــــــم

أعيا الورى فهم معناه فليس يـــــرى
في القرب والبعد فيه غير منفحـــــم

كالشمس تظهر للعينين من بعُــــــــــدٍ
صغيرةً وتكل الطرف من أمـــــــــــم

وكيف يدرك في الدنيا حقيقتـــــــــه
قومٌ نيامٌ تسلوا عنه بالحلـــــــــــــــمِ

فمبلغ العلم فيه أنه بشـــــــــــــــــــرٌ
وأنه خير خلق الله كلهــــــــــــــــــمِ

مولاي صـل وسلــــم دائمـــاً أبــــدا
علـــى حبيبــــك خيــر الخلق كلهـم

والله سبحانه وتعالى أعلم.