2012/04/22
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة، أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقكم تمام العافية وأن ينفعنا بهذا الموقع المبارك جعلهُ الله نوراً وسراجاً للمهتدين آمين،
 
سيدي ماحكم إغماض العين في الصلاة علماً أني اكون أكثر خشوعاً وقرباً الى الله عندما أغمض عيني؟
 
وجزاكم الله ألف خير
الاسم: مقداد
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاك الله تعالى خيراً على دعواتك الطيبة ولك بمثلها.
 
ينبغي أن نعلم أن الخشوع هو روح الصلاة، قال الله عز وجل {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون 1، 2. وكلما كانت الجوارح في حال الإنابة والإنقطاع عن الحركة كلما كانت أقرب لتحقيق الخشوع، وموضوع إغماض العينين في الصلاة إختلفت فيه آرآء الفقهآء فمنهم من ذهب إلى كراهته ومنهم من ذهب إلى جوازه.
 
حكم الكراهة مبني على حديث لحضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَضَعُ بَصَرِي فِي الصَّلاةِ، قَالَ: مَوْضِعَ سُجُودِكَ يَا أَنَسُ، قُلْتُ: لا أَسْتَطِيعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا شَدِيدٌ، قَالَ: فَفِي الْمَكْتُوبَةِ) الأئمة البيهقي والجرجاني والخطيب البغدادي رحمهم الله تعالى. أمّا ما ورد من حديث (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه) فقد أجمع العلمآء رحمهم الله تعالى على شدة ضعفه. ومما استند إليه هذا الرأي – أي الكراهة- أن تغميض العين مظنة للنوم وأن لكل من جوارح المصلي نصيباً في الصلاة ونصيب العين النظر.
 
وهذه العلل محل نظر، فإن المسلم ينبغي أن يصلي في حال نشاطهِ وليس خموله، فإن أصابهُ نعاسٌ فالأولى أن لايصلي إلا إذا كانت صلاة فريضة وخشي فواتها فحينئذ يجب أن يستجمع نشاطهُ ويطرد النعاس بما يستطيع من وسآئل، أما موضوع حظ العين النظر فإن هذا الحظ ينتفي بل يتحول إلى حظ من الغفلة إذا كان هناك مايشغله عن الصلاة مما يدور أمامه وحوله. ولذلك فإن القآئلين بجواز تغميض العين في الصلاة يرون أنه أدعى للخشوع، فالإنسان قد تشغلهُ عيناهُ عن حضور قلبه وذلك بالنظر إلى ما في المسجد من زخرف أو مايدور حوله من مرور المصلين وحركتهم.
 
ولابد أن نذكر هنا أن النظر إلى السمآء منهي عنه نهياً تحريمياً لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ أَوْ لا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) الأئمة مسلم وأحمد وابن ماجة وآخرون رحمهم الله تعالى.
 
وينقلب إغماض العين من الجواز إلى الوجوب إذا تأكد إنشغالهِ بسبب النظر بحيث يسهو عن الصلاة، أو إذا وقع بصره على ما حرّم الله عز وجل، كأن يصلي أمام نافذة المسجد المطلة على الشارع أو يصلي خارج المسجد فتمر أمام ناظريه مشاهد لا تتفق مع ما يجب أن يكون عليه المجتمع الإسلامي من إلتزام. كخروج بعض بنات المسلمين غير متسترات أو وجود نسآء غير مسلمات في هذه الأنحآء فيجب عليه حينئذ إغماض عينه أو على الأقل غضّ بصره.
 
وقد يكون إغماض العين مكروهاً بل حراماً إذا اعتقد بوجود خطر حوله من ضواري أو حشرات مؤذية، كتلك التي نراها في معظم مساجد الطريق في الديار المقدسة حين نذهب لحج أو عمرة بشكل لا يتناسب مع واجب المسلمين بشكل عام وأهل الحجاز بشكل خاص إذ شرّفهم الله سبحانه وتعالى لخدمة حجاج بيته وعمّاره، وإذ أذكر هذا فالألم يعصر فؤادي لأني أودّ أن يرى الناس أحكام الشرع الشريف بشكل واضح معبر عن مقاصده من بنآء حضاريّ قآئم على إعتقاد ضرورة تعظيم شعآئر الله تبارك وتعالى والأخذ بأفضل ما توصلت إليه التقنيات الحضارية الحديثة، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذه التذكرة سبيلاً لما يصبو إليه المخلصون من هذه الأمة.
 
وبعض الفقهآء رحمهم الله تعالى يرون وجوب النظر إلى موضع السجود كما في الحديث الشريف السابق والبعض الآخر يرى وجوب النظر إلى جهة القبلة إستناداً إلى قول الله جل جلاله وعم نواله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ…} البقرة 144. ويؤيد هذا حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال (صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رقا المنبر فأشار بيديه قبل قبلة المسجد ثم قال: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار في قبلة هذا الجدار فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ثلاثاً) متفق عليه. إذ أن ذلك دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى جهة المحراب وليس إلى موضع السجود.
 
فالقول الفصل في إغماض العين يعود إلى ظرف وحالة المصلي، فإن رأى أن إغماضه للعينين أفضل وأدعى لخشوعه فهو الأولى إذا لم نقل بالوجوب، ولكن ليس له أن يبدأ بالإغماض أو أن يجعله نهجاً دآئماً، وإنما يجعله إستثنآء من القاعدة حتى لو تكرر عنده ذلك.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم.