2012/04/25
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسأل الله العلي القدير أن يديمكم ويسدد خطاكم، وأن لا يحرمني والمسلمين جميعًا من بركة دعائكم.
سيدي حضرة الشيخ هل يؤاخذ المسلم بما لا يعلم؟
الاسم: أم إبراهيم
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على دعواتك الطيبة ولك بمثلها.
يعتمد الجواب عن هذا السؤال على حالة كلّ إنسان من حيث قرب عهده من الإسلام أو بعده عن مصادر العلم ففي هذه الحال أرجو الله عزّ وجلّ أن لا يؤاخذه في بعض المسائل الشرعية لقوله سبحانه:-
{— وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [سورة الإسراء: 15].
فالذي يكون بعيدًا عن هدي سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم يكون له هذا الحكم ونستطيع القول:-
إنّه يعذر بجهله ولا إثم عليه في التقصير الذي كان سببه هذا الجهل، على أنْ يجتهد بعد ذلك بتعلّم أحكام ما يقوم به من أعمال.
أمّا إذا كان في بلد يتوفّر على علماء ووسائل تعلم شريعة الإسلام ثمّ قصّر في ذلك فلا شكّ أنّه يؤاخذ لأنّ الواجب عليه التفقّه في دينه بما تصحّ فيه عقيدته والفرائض المطلوبة منه والمعاملات التي يباشرها، فكما أنّه حين يبدأ في معاملة في بعض الدوائر يسأل أهل الاختصاص والتجربة عن تفاصيلها فالأولى أنْ يسأل عن أمور دينه، فإنْ لم يسأل وبقي على جهله فلا يعذر حينئذ بجهله، فالله عزّ وجلّ خلقنا وابتلانا أيّنا أصحّ وأحسن عملا، قال عزّ من قائل:-
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [سورة المُلك: 2].
فنحن مطالبون بالعمل وفق الشرع الذي أنزله ربّنا جلّ وعلا ومطالبون بإحسانه وإخلاصه، فحين رأى سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه مَنْ لا يحسن صلاته لم يسكت عنه، فعن سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ وَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلاَثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
فالواجب على الإنسان أن يسأل في أمور دينه، قال الله عزّ وجلّ:-
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].
وقد حفظ طلبة العلم عن أساتذتهم بيت الشعر الذي يقول:-
مَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَا فَلْيَسْأَلْ *** مَنْ لَمْ يَجِدْ مُعَلِّمًا فَلْيَرْحَلْ
وفي هذا البيت نصيحة بوجوب السؤال عند إنتفاء العلم ولزوم الارتحال للبحث عنه، فالأعمال يجب أنْ تقترن بالعلم ولا يقبل العمل بغير علم كما قال الشاعر:-
وَكُلُّ مَنْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْمَلُ *** أَعْمَالُهُ مَرْدُوْدَةٌ لَا تُقْبَلُ
ولا بُدَّ من التذكير بأنّ وسائل الاتصال والتنقّل الحديثة سهَّلت كثيرًا الوصول إلى منابع العلم، فالعذر بالجهل والحالة هذه قد ينتفي، وما على المسلم إلّا أنْ يخلص النيّة في التعلّم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.