2012/04/30
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
شيخي الحبيب ما حكم ذكر بعض الأبيات من الشعر خلال خطبة الجمعة إذا كانت تعبر عن المراد من مضمون الخطبة كأن يكون الخطيب مثلا يتحدث عن الصبر والثقة بالله سبحانه وتعالى فيعبر عن ذلك بقول الشاعر:
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله…الخ.
ولكم منّي جزيل الشكر والتقدير مع خالص الدعاء
الاسم: ابو زيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
لاشك أن خطبة الجمعة وصلاتها عبادة وشعيرة عظيمة دعت إليها نصوص الكتاب الكريم والسنة الشريفة، قال الله عز وجل {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الجمعة 9. وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) متفق عليه.
وقد حذر عليه الصلاة والسلام من التهاون فيها كما جآء في الحديث الشريف (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ، عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ) الأئمة مسلم وأحمد والنسآئي وآخرون رحمهم الله تعالى.
وقد إختلف الفقهآء رحمهم الله تعالى في إنشاد الشعر في خطبة الجمعة، فمنهم من أجازه ومنهم من كرهه.
و أرجح الكراهة لأن هذه عبادة يجب التقيد فيها بما ورد عن حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والخلفآء الراشدين رضي الله تعالى عنهم.
وقد اعتبر بعض الفقهآء الخطبتين بمثابة الركعتين ومن هنا جآء التأكيد على ضرورة حضور الخطبة والنهي عن الكلام والحركة فيها حيث أكد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على ذلك فقال (من تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا) الأئمة مسلم وأحمد وابن ماجة رحمهم الله تعالى. فالاستماع والإنصات على الطهارة أشبه بأوصاف الصلاة والتأكيد على قطع الحركة يؤيد هذا.
ولا أرى في الواقع مسوّغا للإختلاف في هذا الموضوع لأن العبادت التوقيفية ليس فيها مجال للإجتهاد، فحيث لم ينقل إلينا إنشاد الشعر في خطبة الجمعة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو عن أحد من الخلفآء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين مع ما للشعر من حضور في حديث سيدنا رسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وصفاً وأمراً فتأمل يا رعاك الله تعالى في قوله بأبي وأمي ونفسي هو صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً) الأئمة البخاري وأحمد وابن ماجة وآخرون رحمهم الله تعالى. فمع تأكيده للحكم في الشعر بـ(إن واللّام) وهما من أدوات التأكيد لم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام إنشاده في الخطبة.
وعن أمنا عَائِشَةَ رضي الله عنها ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْبَراً فِي الْمَسْجِدِ يُنْشِدُ عَلَيْهِ قَائِماً، يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) متفق عليه.
ومع ماله من حضور في كلام العرب وخطبهم أستطيع الإطمئنان إلى أن إنشاد الشعر في خطبة الجمعة على وجه الخصوص ليس من هديه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ويعلم كل مسلم أن السعادة الدنيوية والأخروية مناطها في الإقتدآء بهديه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه كما قال رب العزة جل وعلا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب 21، والذي أفهمه من الآية الكريمة أن رجآء الله عز وجل في قوله (يَرْجُو اللَّهَ) يشمل ما يطلبه العبد من خالقه جل جلاله وعم نواله من خير الدنيا والآخرة.
وفيما تضمنه كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وما وصلنا من أقوال وحِكَمِ المسلمين على مر السنين مندوحة عن الدخول في هذا الباب.
وفيما عدا خطبة الجمعة فالباب واسع في الإستشهاد بالشعر كالدروس الخاصة والعامة ومجالس الوعظ وغيرها.
فأوصي أحبابي بالإلتزام بهذا الهدي النبوي الشريف وتحاشي ذكر الشعر في خطب الجمعة، وأوصيهم كذلك بضرورة حضور القلب أثنآء الخطبة وذكر الله تبارك وتعالى قبل وأثننآء وبعد صلاة الجمعة لأنه (أي الذكر) هو المقصود فيها كما جآء في الآية الكريمة التي تصدّرت جوابي والآية التي تليها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.