2012/05/06
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
 
حضرة الشيخ: ما الحكمة من مخالفة المسلمين لليهود والنصارى وهل هذه المخالفة في كل أمور الحياة؟
 
الاسم: عبد الله
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
 
أبدأ جوابي بالجزء الثاني من سؤالك:
هذه المخالفة لايمكن أن تكون في كل نواحي الحياة، فالإسلام دين التعايش والتسامح، وشرعه الحنيف أباح لغير المسلمين أن يعيشوا في بلاد الإسلام مع إحتفاظهم بحرية ممارسة عباداتهم وعاداتهم وأمر المسلمين بحمايتهم والقسط إليهم، قال الله تبارك وتعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ…} البقرة 256. وقال عز وجل {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الممتحنة 8، وقال تعالى {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الكافرون 6. وقد سطر التأريخ صفحات مشرقة للمعاملة الحسنة التي كان يلقاها أهل الأديان الأخرى من قبل المسلمين دولة وأفراداً.
 
وقد أمر ديننا العظيم بتوخي الحكمة وأخذها دون النظر إلى مصدرها إن كان نصرانياً أو يهودياً أو غير ذلك، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُمَا وَجَدَهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) الأئمة إبن ماجة والترمذي والبيهقي وآخرون رحمهم الله تعالى.
 
أما جواب الجزء الأول من سؤالك: فإن مخالفة أهل الكتاب أو المشركين في بعض الأمور أمر تعبدي. والأمور التعبدية لسنا مكلفين بالبحث عن الحكمة فيها، وفي نفس الوقت لا نضرب عنها صفحاً إذا توضحّت لنا قال الله عز وجل {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} المآئدة 48.
وهذه الأحكام مناطة بواقعها وظرفها فأكثرها (أي أحكام المخالفة) نزلت في ظروف حروب وصراعات بين المسلمين وأعدآئهم، وهي أشبه ما تكون في هذا العصر بالأحكام العرفية المؤقتة التي تسنّ لظرف معين تتعرض فيه البلاد لخطر خارجي أو داخلي.
 
فعندما كان اليهود يتآمرون على الدولة الوليدة في المدينة المنورة –صلى الله على ساكنها وسلم- ويكيدون للمسلمين وهم في كنفها فلابد من الإحتراز وأخذ الحيطة توقياً لهذه الشرور، وتجسد هذا الخطر في أحداث غزوة الخندق حيث وضع اليهود أيديهم في أيدي المشركين من أجل القضآء على المسلمين ونبيهم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
 
وكذلك فإن خصوصية حياة المسلمين المرتبطة بعباداتهم تحتم عليهم نوعاً من التميّز في مظهرهم وطريقة معيشتهم لا بد أن تختلف عما هو موجود عند غيرهم، وهذا الشيء لازلنا نراه حتى عند المسلمين الذين يعيشون في بلاد الغرب.
 
ومع أن أصل الأديان السماوية واحد فقد جآءت التشريعات الفرعية مختلفة فيما بينها، وحملت هذه الإختلافات تبايناً في مظاهر هذه الأديان، ولكن يجب الحذر من تطوير هذه الإختلافات إلى نوع مواجهة أو حرب بينها أو طغيان بعضهم على البعض الآخر، فالإسلام يدعو دآئماً للسلم وإيجاد القواسم المشتركة بين هذه الأديان سوآء كانوا يعيشون في بلد واحد أو بلدان مختلفة، ومن هنا نفهم إباحته للمسلمين الزواج من الكتابية وهذا دليل عظيم على أن الإسلام لم يأت للتناحر بل جآء للتعايش والسلام فكيف يكوّن زوجان من ديانتين مختلفتين بيتاً ناجحاً إذا لم يشيعا بينهما الألفة والتفاهم.
 
وديننا العظيم دعا إلى عدم جعل الخلاف في الفروع سبباً للإقتتال والكراهية، وكل هذا مأخوذ من نصوص الكتاب الكريم والسنّة الشريفة ومنها قول الله جل جلاله وعم نواله {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران –عليهم السلام-64.
 
ولكن صوت الحق والعقل أصبح –مع الأسف- في هذا العالم غير مسموع بل إن الكراهية والضغينة والإقتتال لم تعد مقتصرة على الأديان فيما بينها فحسب مع عدم شرعيتها في كثير من الصور، بل أصبحت تدور بين أبنآء الدين الواحد والوطن الواحد فجعلت أهلهُ شيعاً ومذاهب وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون، والذي نشهده كل يوم من صراع دموي ماهو إلا ثمرة البذرة التي زرعت بين الناس وسقيت بمآء الجهل وإتباع الهوى والابتعاد عن مصابيح الهدى (المرشدون والعلمآء الربانيون) ونسيان قول الرب عز وجل {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبيآء-عليهم السلام- 92.
 
والله سبحانه وتعالى أعلم.